سعاد أوعزا: حين تتحول الإبرة والخيط إلى ذاكرة وتمكين

المذكرة السياحية

في ورشة للنسيج والطرز التقليدي بقلب مدينة ميدلت، لا شيء يبدو صاخبا سوى حركة الأيدي، خيوط معلقة على منسج تقليدي، كرات صوف مختلفة الألوان، وقماش أبيض تتوزع فوقه زخارف زرقاء تتقدم ببطء نحو اكتمالها حيث لا تقاس الدقائق بساعة الحائط، بل بعدد الغرز التي توضع في مكانها الصحيح.

وفي هذا الفضاء الصغير تتسع الحكاية، حكاية نساء يصنعن من الإبرة والخيط ما يشبه وثيقة هوية للمدينة، وحكاية شابة اختارت أن تقود هذا الجهد الجماعي نحو أفق أوسع، إنها سعاد أوعزا، مسيرة تعاونية أنداز نوسكا النسائية للنسيج والطرز التقليدي.

وبينما هي تقود العمل بين نساء يشتغلن بصبر يذكر بطقوس قديمة، تذكرت سعاد بدايات مسارها الحرفي، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، قائلة إن علاقتها بفن الطرز لم تكن اختيارا متأخرا، بل بدايات مبكرة منذ نعومة الأظافر، تشبه بدايات كثير من فتيات المنطقة.

وفي حديثها عن الحرفة، أكدت سعاد على مركزية الصبر والمثابرة، فليس سهلا، كما تقول، أن تقضي الفتاة ساعات طويلة في عمل يدوي، دون ضجيج ولا استعجال، مكتفية بمراقبة الخيط وهو يتحول إلى نقش.

وأكدت أن المؤنس الوحيد في هذه الحالة هو الإبرة والقماش اللذان يمنحان صاحبتهما فكرة جديدة في كل مرة، ويفتحان لها بابا لابتكار مستمر، تماما مثل ما يلهم القلم والورقة البيضاء الكاتب والأديب.

وبالنسبة لسعاد، فإن هذا الشغف الذي نشأ في الطفولة تحول مع الوقت إلى مشروع حياة، ومع أن ممارسة الطرز كانت، لسنوات طويلة، تتم بشكل جماعي داخل تجمعات نسائية غير مؤطرة قانونيا، فقد جاء منعطف حاسم سنة 2009 حين فكرت النساء في نقل هذا العمل من طابع جمعوي إلى إطار تعاوني.

وإيمانا منهن بأن العمل الجماعي يحتاج إلى تنظيم يضمن الاستمرارية ويؤمن سبل العيش، بدأت النساء، وعلى رأسهن والدة سعاد، مؤسسة تعاونية أنداز نوسكا، التفكير في مأسسة المجهود، وتوزيع الأدوار داخل فريق، وتطوير ما يرافق الحرفة من مهارات تدبيرية وتسويقية، حتى لا يبقى المنتوج حبيس الجدران.

وأوضحت سعاد أن التعاونية استفادت في بداياتها من دعم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ما مكنها من وضع لبنات التأسيس الأول، كما أن عددا من النساء خضعن لتكوين وتأطير، ساعدهن على صقل مهاراتهن ورفع جودة المنتوج وتجويد طرق الاشتغال.

وفي هذا المسار، كان نقل الخبرة أو ما تسميه سعاد جزءا من هوية المشروع، لأن الحرفة، كما تقول، موروث انتقل من الجدة إلى الأم ثم الأبناء، وهي نفسها تمثل الجيل الخامس في سلسلة هذا التوارث.

وفي الورشة، تتبدى هذه الفكرة في تفاصيل صغيرة، نساء في سن متقدمة يشتغلن بالهدوء نفسه الذي تشتغل به شابة في مقتبل العمر، وقطع تنجز بالإبرة والخيط دون آلات، وفق تقنية محلية دقيقة تجعل ظاهر الثوب وباطنه في تماثل تام، وهو ما تعتبره سعاد علامة تميز فريدة.

وإذا كان الطرز موجودا في مناطق أخرى، فإن طرز ميدلت، بحسب المتحدثة، يحتفظ بخصوصيته في الصياغة والألوان والهوية البصرية، بحيث يتحول المنتوج إلى بطاقة تعريف وهوية بصرية للمكان، لا مجرد قطعة للاستعمال.

غير أن القصة لا تتوقف عند الجماليات، فالرهان الأكبر، كما تقول سعاد، كان إنسانيا في المقام الأول، فقد مرت التعاونية بمحطات صعبة كادت أن تعصف بها، وكان التحدي الأكبر هو العنصر البشري بمعناه الواسع؛ أي تغيير النظرة النمطية بخصوص عمل المرأة وخروجها إلى فضاء الإنتاج.

وأكدت سعاد أن الاستثمار الحقيقي كان في الإقناع والتدرج وبناء الثقة، حتى تتحول النساء من ممارسة منزلية معزولة إلى فاعلات اقتصاديات في مشروع مشترك.

وأبرزت أن أثر هذه التجربة يتجاوز الورشة إلى حياة النساء، فهناك حرفيات ما زلن يمارسن المهنة في السبعين والثمانين، وهو ما يعكس عمق الارتباط بالحرفة، كما استقطبت التعاونية فتيات انقطعن عن الدراسة، ووفرت لهن دخلا اقتصاديا يحفظ كرامتهن ويمنحهن شعورا بالجدوى.

والأهم، تضيف سعاد، أن التجربة نجحت في زرع عقلية مقاولاتية لدى عدد من الفتيات، حتى أن بعضهن انتقلن، بعد اكتساب المهارات، إلى إطلاق مشاريعهن الخاصة.

وفي جانب آخر من الرؤية، تراهن سعاد على أن جودة المنتوج وحدها لا تكفي إذا لم تجد طريقها إلى السوق، مشيرة إلى طموحها في تجاوز الترويج البسيط على منصات التواصل الاجتماعي نحو بناء حضور رقمي أكثر احترافا، عبر واجهة تسويقية منظمة تقرب المنتوج من زبناء جدد، وتقلل من الاعتماد على الوسطاء.

وبمناسبة الثامن من مارس، ترى سعاد في هذا الموعد محطة للتأمل وتجديد العزيمة أكثر من كونه احتفالا شكليا فقط، فهو، في نظرها، فرصة للتذكير بأن المرأة، حين تمنح فرصة عادلة، تستطيع أن تبدع وتدبر وتنتج، وأن تساهم في التنمية المحلية بقدر ما تساهم في تربية الأجيال.

ولم تعد تجربة سعاد أوعزا مجرد مسار مهني داخل ورشة صغيرة في ميدلت، بل تحولت مع مرور السنوات إلى قصة نجاح ملهمة لنساء وفتيات المنطقة، فقد استطاعت هذه الشابة، من خلال إصرارها وتمسكها بحرفة متوارثة، أن تثبت أن الإبداع اليدوي يمكن أن يتحول إلى مشروع جماعي يفتح آفاقا اقتصادية واجتماعية جديدة.

وبالنسبة لكثير من الفتيات اللواتي يطرقن باب التعاونية اليوم، لم تعد سعاد مجرد مسيرة لمشروع حرفي، بل أصبحت نموذجا حيا على أن الشغف حين يقترن بالصبر والعمل المشترك قادر على تحويل خيط بسيط إلى مسار حياة، وإلى مصدر إلهام لجيل جديد من النساء الطامحات في رسم مستقبلهن بأيديهن.