الرباط: تقديم المجلد العشرين من “الحوارات الاستراتيجية” المخصص لأبرز الرهانات الجيو-سياسية والأمنية المعاصرة

المذكرة السياحية 

قدم مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد ومركز (HEC) للجيوسياسة، أمس الأربعاء، بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية بالرباط، المجلد العشرين من “الحوارات الاستراتيجية”، وهو منشور مشترك مخصص لأبرز القضايا الجيو-سياسية والأمنية المعاصرة.

ويضم هذا المؤلف مساهمات منبثقة عن الدورة السابقة من “الحوارات الاستراتيجية”، ويستكشف بعدين رئيسيين من أبعاد إعادة التشكل الاستراتيجي على الصعيد الدولي؛ يتمثلان في تأمين البنى التحتية الحيوية والموارد الاستراتيجية، وديناميات التعاون والتنافس في منطقة المتوسط.

ويتناول المؤلف في جزئه الأول الرهانات الاستراتيجية المرتبطة بتأمين البنى التحتية والموارد التي لا يمكن الاستغناء عنها لضمان سير الاقتصادات المعاصرة، حيث تسلط المساهمات الضوء على مكامن الهشاشة في سلاسل الإمداد، وعلى رهانات السيادة الاقتصادية، لاسيما تلك المتعقة بالكابلات البحرية التي تشكل عصب الاتصال الرقمي العالمي، والمعادن الحرجة التي تقع في صميم التحول الطاقي.

كما تبرز هذه المساهمات الفرص والتحديات التي تواجهها الدول الإفريقية من أجل تعزيز موقعها ضمن سلاسل القيمة العالمية، لا سيما عبر التحويل المحلي لمواردها.

ويستكشف الجزء الثاني ديناميات التعاون والتنافس التي تشكل الفضاء المتوسطي. ويتطرق، على وجه الخصوص، إلى أوجه اللاتماثل بين الضفتين، ورهانات التعاون الأمني، والخلافات البحرية والطاقية، فضلا عن استراتيجيات النفوذ التي تنتهجها القوى الدولية.

وبذلك، تضع المساهمات العوائق التي تحول دون قيام تعاون إقليمي متوازن في سياقها الأوسع، وتبين الشروط اللازمة لتعزيز الترابط بين الفاعلين المتوسطيين.

وفي كلمة بهذه المناسبة، أوضح عبد الحق باسو، الباحث البارز بمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، أن النزاعات المعاصرة تكشف عن هشاشة متزايدة للبنى التحتية الحيوية العالمية، على غرار المطارات والموانئ والممرات المائية والروابط الرقمية البحرية.

وحذر من أن “زعزعة استقرار بنى الاتصال لا تقتصر على مسارح المواجهات، بل تربك الاقتصاد العالمي وتهدد سيادة الدول، طالما أن الولوج إلى المواد الأولية والشبكات وتدفقات البيانات يظل مهددا”.

ولدى استعراضه للشق المتوسطي، استبعد السيد باسو فكرة فقدان هذا الفضاء لتأثيره أمام إعادة التوازن العالمي نحو منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مؤكدا أن البحر الأبيض المتوسط يظل ملتقى جيو-استراتيجيا لا محيد عنه، يربط المحيط الأطلسي والأمريكيتين عبر مضيق جبل طارق، وكذا آسيا والمحيط الهندي عبر قناة السويس والبحر الأحمر.

من جانبه، أكد مدير مركز (HEC) للجيوسياسة، باسكال شينيو، أن هذا الإصدار الجديد يتيح مقارنة التحليلات حول إشكالية عرضانية ضرورية وقضية إفريقية وإقليمية ذات أولوية، في أفق تعزيز الحوار الاستراتيجي الأوروبي الإفريقي، لا سيما في ارتباط بالفضاء المتوسطي.

وأوضح أن “البحر الأبيض المتوسط هو فضاء للتعاون بكل تأكيد، ولكنه أيضا فضاء تخترقه منافسات إقليمية ودولية”، مضيفا أن هذه المنطقة الفاصلة تاريخيا وحضاريا، تظل فضاء حيويا تتعايش فيه المنافسات والتعاون الأمني.

كما أشاد بالشراكة المتميزة التي تم إبرامها مع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية من خلال مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، مبرزا أن هذا المجلد العشرين يتوج عشر سنوات من التعاون المستمر والمثمر.

من جهته، أكد الخبير في العلاقات الدولية بمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد ومسير اللقاء، أسامة الطيبي، أن هذا المجلد العشرين، الذي يجمع 14 مساهمة لمتخصصين من الضفتين، يقدم شبكات تحليل ملموسة حول تطور موازين القوى ومكامن الهشاشة الجديدة للدول.

وقال السيد الطيبي إن هذه الأعمال المشتركة تتيح تعميق آفاق التعاون وتحديد الشروط اللازمة لصمود الفاعلين الإقليميين في قلب “عالم مجزأ”.

وتنظم المؤسستان سنويا دورتين من “الحوارات الاستراتيجية” في الرباط وباريس منذ عام 2016، كما تجمع هذه المبادرة خبراء من مراكز الفكر، وباحثين وأكاديميين وفاعلين، وصناع قرار في القطاع العام، حول قضايا ذات اهتمام مشترك لكل من أوروبا وإفريقيا.

وانطلاقا من مقاربة موجهة نحو السياسات العامة، يشجع هذا المسار الحوار البيني بين التخصصات، ويتيح تناظر التحليلات، ثم تجمع الأفكار المنبثقة عن الندوات في منشور مشترك على شكل أوراق سياسات ، وذلك بهدف مواصلة النقاشات وتقاسم خلاصاتها مع الأطراف المعنية.