المذكرة السياحية
صدرت حديثا الترجمة الفرنسية للكتاب القصصي “جميعهم يتكلمون من فمي” للكاتب المغربي أنيس الرافعي، بقلم الباحثة والمترجمة هدى الوافي.
وخرج إلى المكتبات كتاب (Ils parlent tous par ma bouche) (جميعهم يتكلمون من فمي)، وهو العمل الفائز بجائزة المغرب للكتاب لعام 2025 في فئة “السرد”، في صيغة مجموعة ثنائية اللغة تضم النص الأصلي وترجمته، وذلك عن دار “خطوط وظلال” و “روائع الكتب”.
وتقول المترجمة في تقديم الإصدار إنها كقارئة، استوقفها في البداية طابع الغرابة الذي يغلف الكتاب، إذ يقدم أنيس الرافعي ما يمكن وصفه بـ “بحث سردي حول الشامانية الجديدة”، يتألف من إحدى وعشرين قصة قصيرة تذيب الحدود الفاصلة بين الخيال والتقصي والتأمل.
وأضافت هدى الوافي أن الكتاب القصصي يصطحب القارئ للقاء “بأصوات قادمة من عوالم أخرى، وبأجساد تتفكك، وذكريات تنزلق أو تعيد تشكيل ذاتها؛ وصولا إلى تلك الشظايا الجلدية التي تنفصل عن أجساد أصحابها لتملأ الفراغات في مخطوط ما. يطرح الكتاب تساؤلات حول معنى أن يتحدث المرء نيابة عن الآخرين، وأن يحمل في داخله أصواتا لا تنتمي إليه”.
وتكشف أن ترجمة هذا النص كانت بمثابة تجربة “سكن” فيه، أكثر منها مجرد عملية نقل له. تمثلت الصعوبة الأولى في المعجم: كيف يمكن نقل وقائع طقسية وثقافية -متجذرة في المخيال المغربي والعربي- إلى اللغة الفرنسية، دون تسطيحها أو إضفاء طابع “غرائبي” مصطنع عليها؟ هل ينبغي ترجمة كلمة “الضريح” بـ “القبر” (la Tombe) أم بـ “المزار/الضريح” (le Mausolée)؟ هل تبقي على مصطلح “المعراج” أم تستخدم عبارة “الصعود الشاماني” (l’Ascension chamanique)؟ وهل تكتفي بنقل أسماء بعض الأدوات الطقسية صوتيا (transliteration) أم تبحث لها عن مقابل دلالي؟ لقد كان كل خيار بمثابة تحديد لطريقة ما لجعل “غير المرئي” مسموعا.
تلا ذلك تحد آخر، حسب المترجمة: إيجاد أسلوب لغوي يضاهي لغة أنيس الرفاعي -بجزالتها، وصياغتها المتقنة، وطابعها الباروكي أحيانا- مع الحفاظ في الوقت ذاته على رصانتها وهدوئها في اللحظات التي يلوذ فيها النص بالصمت. وأخيرا، تطلبت الملحقات والمواد المرافقة للكتاب (الاستهلالات، والاقتباسات، والقصائد) جهدا طويلا من التحقق الببليوغرافي وإعادة الصياغة الشعرية. كما وجدت من الضروري إضافة هوامش توضيحية للقارئ الناطق بالفرنسية، بهدف الشرح دون إثقال النص.
“لقد علمني هذا الكتاب، تقول هدى الوافي، الأستاذة بجامعة محمد الخامس بالرباط، والتي تهتم بالرواية السيكولوجية، أن الترجمة تعني، في جوهرها، القبول بأن يتحدث الآخرون من خلال صوتك”.
في “جميعهم يتكلمون من فمي”، الذي صدر بالعربية في طبعته الأولى، عن دار خطوط وظلال الأردنية سنة 2024، يخوض الكاتب المغربي أنيس الرافعي تجربة سردية مختلفة وغير مسبوقة، هي عبارة عن بحث قصصي في غياهب الشامانية الجديدة ومتاهاتها المتشعبة.
فعلى امتداد 21 نصا، و21 صورة تمثل “معرض الشامان” الافتراضي، يجد القارئ نفسه منخرطا في رحلة عكسية مثيرة من المستقبل البعيد إلى الماضي السحيق، من أجل اكتشاف الأسطوريات المستحدثة للفكر السحري الإحيائي، والشامانيات المعاصرة التي تخترق بنيات المجتمعات العربية الحديثة وذهنياتها اللاواعية.
جاء في تقديم الكتاب أن الذائقة التقليدية تحار “وهي تمخر عباب هذا الكتاب العاتي رؤية وتخييلا ومرجعية، هل هي في طور الدخول إلى منطقة جديدة من أدب الرعب البدائي، أم على أهبة اكتشاف عجائبية شامانية غير مطروقة نقديا، أو على وشك التوحد والتفرق في تجربة صوفية جوانية بمقاييس فنطاسية تجوس في الأسرار والظلال والمجاهل؟”.
ويضيف هذا المدخل النقدي أن الأمر يتعلق بوضع الحجر الأساس لنوع جديد، “يمكن أن يطلق عليه “القصة الاثنوغرافية / الأنتربولوجية”، إذ أن النصوص بالكامل مشبعة بمرجعيات هذين الحقلين الشاسعين، ومصيّغة بتقنيات وأدوات شامانية صرف من قبيل (الخشخيشة، الأرواح المساعدة، التحول إلى حيوان، معاشرة اللامرئي، لبدة الساحر / المحارب، الضريح، القربان، المعراج الشاماني، القناع، الطبل، الطلسم، غشية الاستحواذ، الطوطم، الأعشاب المهلوسة…)”.

























































