السياحة الداخلية بين الخطاب الرسمي والواقع المر.. ارتفاع في الأسعار وضعف في الخدمات

المذكرة السياحية 

يستعد المغاربة لصيف 2025 وسط حالة من الاحتقان والسخط العارم، في ظل واقع سياحي متأزم يتسم بارتفاع صادم للأسعار، وضعف في جودة الخدمات، وعرض فندقي متجاوز لا يرقى لتطلعات الأسر المغربية، وبينما ينتظر المواطنون قرارات حازمة تعيد التوازن إلى سوق يعاني من الفوضى، تواصل وزيرة السياحة، فاطمة الزهراء عمور، تقديم وعود إصلاحية ما زالت حبيسة التصريحات الرسمية، بعيدة عن أي أثر ملموس على أرض الواقع.

ففي جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، أمس الثلاثاء 24 يونيو 2025، أعلنت الوزيرة عن مشروع إصلاح جديد يهم نظام تصنيف الفنادق، يشمل تجديد التصنيف كل خمس سنوات، وتحيين المعايير اعتمادًا على 800 مؤشر تم تحديدها بشراكة مع منظمة السياحة العالمية. كما كشفت عن إعداد مراسيم لتأطير الإيواء لدى الساكنة والمخيمات السياحية، في خطوة تهدف إلى تنظيم القطاع وتوسيع العرض.

غير أن هذه المبادرات، وإن بدت طموحة على الورق، تصطدم بواقع ميداني يكذبها بشكل صارخ، فنادق تحتفظ بتصنيفات غير مستحقة، غرف تفتقر لأبسط شروط الراحة والنظافة، ومرافق مهترئة تقدَّم بأسعار خيالية تتجاوز في كثير من الأحيان نظيراتها في وجهات دولية معروفة بجودة خدماتها وتنافسية عروضها، مثل إسبانيا والبرتغال وتركيا.

الهوة بين الخطاب الرسمي والممارسة اليومية لم تكن يوما بهذا الاتساع، ففي غياب مراقبة حقيقية لأسعار الإيواء والخدمات، يهيمن “قانون السوق المتوحش” على المشهد، حيث تتجاوز تكلفة الليلة الواحدة في بعض فنادق “الثلاث نجوم” حاجز 1000 درهم، دون أن يقابلها أي مستوى مقبول من الجودة أو المهنية.

هذا الواقع لا يقتصر فقط على الفنادق، بل يشمل البنيات التحتية المرتبطة بالسياحة الداخلية، من طرق متهالكة وشواطئ غير مهيأة، إلى غياب وسائل النقل العمومي الفعالة، وافتقار الوجهات السياحية لمرافق أساسية كالمرائب، والمراحيض العمومية، والفضاءات الآمنة. كل هذه العوامل مجتمعة تسهم في نفور متزايد من السياحة الداخلية، وتوجه عدد متنام من الأسر المغربية نحو الخارج لقضاء العطلة.

رغم محاولات الوزارة الترويج لإجراءاتها، بما في ذلك إضافة 5000 سرير بأكادير في الفترة بين 2021 و2025، وخطة صيفية قائمة على التوعية، والتأطير، والترويج عبر حملة “نتلاقاو فبلادنا”، فإن الفاعلين في القطاع والمواطنين يتفقون على أن هذه التدخلات تظل شكلية في غياب رقابة صارمة وإرادة حقيقية للتغيير.

برنامج “GO Tourisme”، الذي تم تقديمه كآلية لدعم الاستثمار السياحي، ورغم تسجيل قبول 957 مشروعًا من أصل 1700، يظل تأثيره هامشيًا في ظل الخصاص البنيوي العميق، خاصة في المناطق البعيدة عن المحاور الكبرى. أما الحديث عن تسجيل ارتفاع بنسبة 48% في عدد الوافدين، و49% في ليالي المبيت ببعض المناطق، فيبقى منقوصًا ما لم يصاحبه تحسن فعلي في جودة الخدمات المقدمة.

إن أزمة السياحة الداخلية في المغرب لم تعد تقتصر على ضعف العرض أو غياب الرؤية، بل أصبحت تعكس خللاً هيكليًا في طريقة تدبير القطاع، واستمرار سياسة التسويف بدل الإصلاح. فالنهوض بهذا القطاع لن يتحقق عبر الوعود والشعارات، بل يتطلب التزامًا حقيقيًا بتطبيق القانون، ومحاسبة المؤسسات المخلة، وإعادة الاعتبار للسائح المغربي، باعتباره محور أي تنمية سياحية شاملة ومستدامة.