المذكرة السياحية
تشكل ظاهرة الكورال في موسيقى الآلة تجربة جديدة لإرساء وبلورة تصور حديث لإعادة النظر في الطريقة التي تؤدى بها هذه الموسيقى التراثية من جهة، ولحث الشباب من جهة ثانية على حمل مشعل موروث فني أصيل، لما لهذه الفئة من دور في تنمية هذا الفن الأصيل، والعمل على تطويره، وكذا تثمين هذا التراث الثقافي الفريد من أجل ضمان استدامته.
وإذا كان بعض الباحثين والمهتمين يرون أن ظاهرة الكورال في موسيقى الآلة لا تزال في طور التجربة، ما يجعل إخضاعها للتقييم سابقا لأوانه، فإن باحثين آخرين يؤكدون أن هذه الظاهرة هي من الموضوعات التي تتطلب تعميق التفكير من أجل وضعها في سياقها بغية أن تكون رافعة لتطوير هذا التراث الموسيقي.
ومن منظور هؤلاء الباحثين فإن الأسئلة التي يطرحها انتشار هذه الظاهرة، عبر العديد من الحواضر المغربية التي تشكل موسيقى الآلة مظهرا من مظاهرها الحضارية، تتعلق بالقيمة المضافة لأداء تراث الآلة بالكورال أي بالغناء الجماعي.
ويتساءلون، في السياق ذاته، عما إذا كانت المجموعات الصوتية استفادت من تجربة الغناء التي تؤدى بها موسيقى الآلة ؟ وما هي أنواع المجموعات الصوتية المتواجدة حاليا وهل استفادت من الخبرات التي راكمها الغناء الجماعي سواء عند المشارقة أو عند الغربيين، لاسيما الأمور المتعلقة بالتسخينات الصوتية وبتقنيات الغناء عموما، ثم كيف يمكن تكييف المهارات المتعارف عليها في الغناء مع خصوصيات غناء الآلة، وهل استنفذت مرحلة الغناء بالمنشد المنفرد كل إمكانياتها ؟.
وترجع بدايات المجموعات الصوتية (الكورال) إلى فترة ترؤس مولاي أحمد الوكيلي لجوق الإذاعة الوطنية (1953 – 1988)، حيث عمل، ضمن مشروعه الفني، على تخصيص كورال قار كان يضم ثلاثة أقطاب هم المرحومون عبد المجيد بن عمر ومحمد الطود ومحمد المنصوري، بالإضافة إلى الصوتين النسويين المرحومتين غيثة العوفير والعالية مجاهد، كما عمل على توثيق بعض الصنائع والموشحات مع مجموعة ضمت تلميذات إحدى الجمعيات بالرباط.
وسار على منواله الفنان الراحل محمد العربي التمسماني، وبعدهما، في تجربة وحيدة (درج العشاق)، الحافظ الراحل الحاج عبد الكريم الرايس.
وفي الوقت الراهن ازدهرت ظاهرة الكورال بعد جيل الرواد، وخاصة منذ بداية القرن الواحد والعشرين، فتأسس، بالخصوص، كورال دار الآلة بالدار البيضاء التابع لجمعية هواة الموسيقى الأندلسية بالمغرب، وكورال جمعية ولوعي الموسيقى الاندلسية بالمغرب، وكورال أندلسية المغرب، وكورال أزهار الأندلس للموسيقى الأندلسية (مراكش)، وكورال جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، التابع لجمعية “نسائم الأندلس”، وكورال “مشاعل” من عاصمة البوغاز، وكورال “رنين” التابع لجمعية رباط الفتح، وكورال جمعية “رياض الطرب” الطنجاوية، وكورال جمعية “بلابل الأندلس للموسيقى التراثية” والمجموعة الصوتية “مغاني ومعاني” بفاس وغير ذلك كثير …
وفي هذه الصدد، قال الأستاذ محمد التهامي الحراق، الباحث المغربي في مجال السماع والآلة، إن ظاهرة الكورال في الموسيقى الأندلسية ظاهرة محمودة على مستوى المبادرات والتوجه، لكونها ترمي إلى مقاصد رفيعة منها : توسيع دائرة الولوعين بهذه الموسيقى لدى مختلف الشرائح والفئات، وتثقيف الناس في علاقتهم مع هذه الموسيقى والانتقال بهم من التلقي الفولكلوري إلى التلقي الفني الجمالي.
لكن هذه المبادرات، يسجل الأستاذ الحراق، محفوفة أيضا بمخاطر تتمثل في كون الاسم نفسه موذن بتغريب فن تراثي أصيل له معجمه وفلسفته التي تختلف عن الخلفية النظرية والفلسفية الموسيقية لمصطلح “الكورال” في مرجعيته الموسيقية الغربية، مبرزا أنه يتم في هذا الإطار الحديث عن “المجموعة الموسيقية” أو “الغنائية” أو “الإنشادية” ضمن نسق مرجعي مغاير الطبيعة والوظائف والسياق.
وحذر من أن يتولى تأطير هذه المجموعات من لا يملك الأهلية الفنية والبيداغوجية لتلقين وتكوين غير المتخصصين في سياق معاصر له إكراهاته في المجال الموسيقي المفتوح، مذكرا، في هذا السياق، بأن الموسيقى الأندلسية المغربية موسيقى عالمة، وتقتضي معرفة شعرية ونغمية وإيقاعية وأدائية وعزفية وتواصلية خاصة.
وأعرب الأستاذ الحراق عن خشيته من تحول بعض المبادرات إلى مشاريع تجارية على حساب رهانات الفن وخصوصيات هذه الموسيقى التراثية، وكذا من فتح هذه المجموعات على أصوات وطرائق قد تعصف بالخصوصيات الجمالية لهذه الموسيقى، مستدركا أن هذه التخوفات لا تنسحب ولا تعمم على كل المبادرات، لكن يتم طرحها للتأمل ولممارسة نوع من النقد البناء حتى تكون هذه المبادرات خادمة للفن لا مزرية له في سياق تحولات استهلاكية قد تعصف بكل القيم الجمالية.
من ناحيته، وبعد أن ذكر الفنان والمنشد محسن نورش، رئيس جمعية الأصالة للأمداح النبوية وموسيقى الآلة، بأن موسيقى الآلة الأندلسية عرفت طفرة نوعية من حيث أساليب الأداء وبروز مجموعات غنائية متعددة في جل حواضر المملكة، أعرب عن اعتقاده بأنه “لا يختلف اثنان على كون ظاهرة الكورال في هذا المجال تأتي كقيمة مضافة لهذه الموسيقى، إلا أنه حينما ينظر إلى ثوابتها وأركانها ومقوماتها ومن يقصدها يطرح تساؤل جوهري حول ما هو الهدف والمبتغى منها ؟”.
ويرى الأستاذ نورش أن “بعض المشرفين على المجموعات الغنائية الحالية يتعين أن تتوفر فيهم المؤهلات العلمية والأدبية والدراية بالشأن الآلي، مبحثا وتغنيا، وآليات التلقين والتكوين، من أجل تكوين مثل هذه المجموعات، واستقطاب أشخاص من مختلف الفئات العمرية راغبين في التزود من معين هذا التراث المغربي العريق”.
واعتبر الأستاذ توفيق حميش، الباحث في مجال التراث الموسيقي، من جانبه، أن ظاهرة المجموعات الصوتية “قديمة وجديدة” في الوقت نفسه، ذلك أن تراث موسيقى الآلة كان يغنى ولا يزال بشكل جماعي، ففي موسيقى الآلة يعتبر العازف الذي لا يغني “الصنعة” ناقص التكوين، مسجلا أن ما يعاب على الطريقة التقليدية في أداء المستعملة الأندلسية هو عدم الاهتمام بطابع الأصوات، حيث يغني، في بعض الأجواق، إلى جانب الصوت الطروب الشجي، الصوت الأجش الذي يحفظ الصنعة لكن يفتقد حلاوة الغناء.
وفي هذا الصدد، ذكر الأستاذ حميش، رئيس جوق نهضة الموسيقى الاندلسية بمكناس، بأنه، تاريخيا، ظهرت مجموعات غنائية نسائية سميت ب”فتيات الانبعاث” وهي مجموعات ارتبطت بنشوة الانتصار على المستعمر، والتغني بالحصول على الاستقلال، ولذلك سوف ينطفئ لهيبها ويخمد إشعاعها بمرور هذه اللحظة التاريخية.
وأضاف أن المجموعات الصوتية تختلف، حاليا، من حيث ظروف النشأة عن المجموعات السابقة، فهي أولا مجموعات هاوية لم ترق إلى مجموعات محترفة تضبط أسرار حرفة الغناء، وتتعامل معه بكل ما يتطلبه من حزم مدرك لتقنيات الغناء..(يتبع)
وفي رصده للظاهرة، سجل الفنان المنشد أحمد مربوح، المشرف على كورال جمعية ولوعي الموسيقى الاندلسية بالمغرب، أن ظاهرة المجموعات الصوتية أو ما يصطلح عليه ب”الكورال” شهدت، في السنوات الأخيرة، انبعاثا وخاصة بإيعاز من الجمعيات الكبيرة المتخصصة في هذا الشأن في سبيل تحقيق الانتشار الأوسع لهذا التراث، والحفاظ عليه من التلف والضياع ونقله إلى الأجيال اللاحقة بطريقة محكمة.
ومن منطلق تجربته، قال الفنان مربوح إنه راكم تجربة في مجال الكورال الأندلسي كانت منطلقاتها الأولى وما تزال هي تحبيب الموسيقى الأندلسية إلى مختلف الشرائح المجتمعية، وخوض مجال التكوين والتلقين بطريقة أكاديمية وفق طرق بيداغوجية وعلمية لا تقصي الجانب الروحي والبعد الجمالي والتعبيري الحاضر بقوة في هذا النوع من الموسيقى.
إن تنامي هذه الظاهرة بشكل غير مقنن وغير مضبوط والترامي على مجال التكوين وتسيير المجموعات الصوتية في هذا المجال من طرف بعض الأشخاص الذين لا تتوفر فيهم الكفاءة والشروط اللازمة لذلك سعيا وراء الشهرة والضجات الإعلامية أدى، في تصور الفنان مربوح، إلى الفوضى والمستوى الرديء، خاصة في غياب التأطير المحكم وبزوغ جمعيات جديدة وهمية تدعي الاهتمام بالتراث والمحافظة عليه.
وظاهرة الكورال في الموسيقى الأندلسية، في رأي الأستاذ عبد السلام الخلوفي، الباحث المغربي في التراث الموسيقي، ليست جديدة، حيث كانت هناك تجارب في الماضي، سواء في الغناء الجماعي ذي الخطوط اللحنية المتعددة، أي الغناء البوليفوني، مستحضرا، في هذا الصدد، تجربة الراحل عبد الوهاب أكومي في توزيعه لمجموعة من الصنائع الأندلسية، أو الغناء وفق الخط اللحني الواحد.
وذكر ، في هذا السياق، بتجربة مولاي أحمد الوكيلي في ميزان البسيط من طبع العشاق، وفي مناسبات أخر، تجارب الحاج عبد الكريم الرايس ومحمد العربي التمسماني.
وهو يرصد الظاهرة من وجهة نظره، وبعد أن ذكر الأستاذ الخلوفي بأنه لدى التحاقه بالمعهد الموسيقي بطنجة كان يحضر تجارب الغناء الكورالي لصنائع الموسيقى الأندلسية، صاحبت جوق المعهد، سجل أن الجديد فيها هو أنه في السابق كانت المشاركة في الكورال مقتصرة في الغالب الأعم على طلاب وطالبات المعاهد الموسيقية، بينما الآن أصبحت متاحة للجميع، ومن كل الأعمار، بل أحيانا يشارك فيه حتى الذي لا يمتلك الصوت المنضبط للوتر، إذ الهدف من المشاركة في هذه الكورالات، في كثير حالات، ليس مرتبطا بشغف متأصل في صاحبه.
وأضاف الأستاذ الخلوفي أن جمعيات الكورال، التي نشأت في العديد من المدن المغربية، أصبحت مقصدا للكثيرين الذين لم يسعفهم الحظ للالتحاق بالمعهد، في فترة مبكرة من حياتهم، لممارسة هوايتهم وتدارك ما فات، وحتى الذين كتب لهم المرور بأقسام المعهد، وتلقوا صنائع مجزأة وموزعة على مقرر يدوم سنوات، وجدوا في هذه الجمعيات مادة فنية لها مبدأ ومنتهى، إذ يقبلون على حفظ ميزان بشكل مسترسل، عكس مبدأ الصنائع المتفرقة في مقررات المعاهد.
وفي رأي الفنان الخلوفي فإن لظاهرة الكورال محاسن متعددة يمكن إجمالها في كونها توسع من دائرة المهتمين بالموسيقى الأندلسية المغربية، وتجعلهم على اطلاع على العديد من الصنائع والميازين، كما أنها استطاعت أن تكسب العديد من الشابات والشباب، وتجعلهم يكبرون تراثهم ويقدرونه، غير مقتلعين من جذورهم.
وما يعتبره الأستاذ الخلوفي “سلبيا” بالنسبة لغناء الموسيقى الأندلسية بالكورال، ما يلاحظ من اجتهادات فردية في إصلاح المتن الشعري أو البناء اللحني لعديد الصنائع، وأدائها بشكل مختلف عن طريقة ما تم تلقيه عن “معلمي” هذا التراث، مسجلا أن هذه الإصلاحات قد تكون في الشعر أو البناء اللحني في انضباط مع الطبع وجيهة، غير أن قيام كل مجموعة بإصلاحاتها منفردة قد يؤدي إلى انزلاقات، فيخرج الأمر عن غايته ومقصده، في حين أن بعض ما يلاحظ من نواقص في هذا الفن من المطلوب أن تنبري له لجنة من المختصين، في كل ما يرتبط بهذا الفن، حتى تتوحد الجهود وتكون هذه الإصلاحات محط إجماع أو توافق.
أما الأستاذ حاتم الوكيلي، الباحث في مجال تراث الموسيقى الأندلسية المغربية، فاعتبر أن ظاهرة “الكورال” هي ظاهرة صحية تفيد هذه الموسيقى أكثر مما تسيء إليها، معربا عن تخوفه من أن تسقط هذه التجربة في مثل ما واجهته تجارب الرواد، حيث لن يكون لها امتداد زمني أو فني بالنظر، من جهة، لافتقارها للمقومات الغنائية والبيداغوجية المفروض توفرها، ومن جهة ثانية مدى استطاعة العنصر البشري المشكل لهذه المجموعات الكورالية الصمود والمثابرة من أجل ترسيخ هذه التجربة الكورالية، أم أن ممارسيها الحاليين هم متعاطون عابرون لن يرسخوا موسيقى الآلة بغنائهم الكورالي كما عهدنا عند سلف هذا التراث العريق ولو بمبادرات محدودة.
وأعرب الأستاذ حاتم الوكيلي، نجل عمدة موسيقى الآلة الراحل مولاي أحمد الوكيلي، عن الأمل في أن تستمر تجربة الكورال هاته في مظهرها الحالي، من حيث هي تمثل غنائي بأسلوب جديد لتراث موسيقي كان على وشك التفكك لولا جيل الرواد، وأن لا تكون مجرد موجة عابرة تختفي بتواري المشرفين عليها حاليا.
وبخصوص اكتساح هذه المجموعات الكورالية لمشهد موسيقى الآلة، قال الأستاذ حاتم الوكيلي إن بعض هذه المجموعات، في عمقها، هي “ذات بعد تجاري أكثر من عنايتها بترسيخ والعمل على استمرارية هذه الموسيقى الأصيلة التي يتفرد بها المغرب دون غيره”، مثمنا، مع ذلك، ما يقوم به المشرفون عليها باعتبارهم “أشخاصا ينتمون للميدان، وبالتالي يصعب تقييمهم والحكم على مستوياتهم ومؤهلاتهم، فآراء الممارسين تختلف من شخص لآخر ومن أداء موسيقي لآخر”.
وفي نظر الباحث المغربي في التراث الأستاذ عبد الجليل الخرشافي، فإن الأمر لا يرقى إلى مستوى مصطلح “ظاهرة”، ذلك أن الموضوع قديم جديد، مستمر ويتطور بتطور الأفكار والأهداف والتوجهات، مذكرا، في هذا الصدد، بصنيع كبار “المعلمين” في القرن الماضي حينما أثثوا أجواق طرب الآلة وزينوها بالوجوه الشابة في إطار مجموعات غنائية ترافق العازفين، وتساهم إلى جانبهم في الأداء، حيث ساهم هؤلاء المعلمين، بما حازوا من إمكانيات، في تجويد الغناء داخل جوق الآلة.
وقال الأستاذ الخرشافي، في السياق ذاته، “ولن أخالف رأي من يعتقدون أن الأمر لا يعدو أن يكون اجتهادا ينضاف إلى مبادرات المتقدمين، كإضافة آلات موسيقية إلى جوق الآلة، أو الزيادة في عدد أفراد الجوق، أو ما ماثل ذلك من ابتكارات وتجديد، وقد ساهمت في ذلك كل الأساليب التعبيرية بمراكز الآلة بالمغرب.
وأكد الباحث الخرشافي أن ما ينبغي لفت الانتباه إليه والحث على تفاديه هو النقص المهول في المعرفة الوازنة والتأطير السليم والكفاءات العلمية لدى مؤطري المجموعات الصوتية، معتبرا أنه بدون ذلك لن تضيف هذه الكورالات إلى الممارسة إلا تشويها للمنهجيات في صناعة الشعر واللحن والقوالب الإيقاعية.
مما سبق فإن ظاهرة الكورال في موسيقى الآلة لها مبتغى نبيل يتوخى ربط الأجيال بعضها ببعض، في تواصل وتلاقح إيجابي، تنقل منه المعارف بسلاسة، وتستقدم إليه أجيال تحمل مشعل هذه الموسيقى التراثية، التي تعتبر ركنا ركينا من الهوية المغربية ومظهرا زاخرا من مظاهر حضارة المملكة.


























































