الكابويرا: تلك “الحلقة” البرازيلية

المذكرة السياحية 

يبدو المشهد مألوفا للوهلة الأولى؛ “حلقة” في مكان ما بالمغرب، دائرة في الشارع وعرض حي تتدفق فيه الطاقة ذاتها. لكن لا حكواتي هنا ولا حكايات تشد الأنفاس وتأسر الحشود، بل هي “رودا دي كابويرا”، حلقة الكابويرا، هذا الفن الأفرو-برازيلي الذي يمزج بين الرقص والقتال، وتتحاور فيه الأجساد على إيقاع الموسيقى.

وتحت أشجار المانجو في حي “فيلا بلانالتو” الشعبي بالعاصمة برازيليا، تجمع في تلك الأمسية نحو عشرين شابا؛ حيث اندفعوا حفاة الأقدام، بسراويل بيضاء تشدها أحزمة ترمز إلى مراتبهم، ليتوسطوا الدائرة على نغمات “البيريمباو”، ذلك القوس المصنوع من الخشب والفولاذ الذي يمنح هذا الفن روحه، مصحوبا بإيقاعات طبول “الأتاباكي” العميقة و الخافتة.

تتأرجح الأجساد على الأكف وتكاد تلامس الأرض قبل أن تنتصب من جديد. وفي لعبة قائمة على الهجمات والمراوغات، يفسح العداء المجال للحيلة والدهاء، بينما ترتسم على الوجوه ملامح تركيز تكاد تبلغ حد الخشوع؛ فما أن ينسحب لاعب حتى يأخذ مكانه آخر في نفس اللحظة.

على أبواب السلطة

المشهد ينطق بتباين صارخ؛ فحي “فيلا بلانالتو”، المنعزل بين ساحة “السلطات الثلاث”- حيث مقار الرئاسة والكونغرس والمحكمة العليا- وقصر ألفورادا الرئاسي، يحتضن ذاكرة مغايرة تماما. وبعيدا عن المنحنيات الخرسانية التي أبدعها أوسكار نيماير أيقونة العمارة المستقبلية، أقام هنا تحديدا الـ”كاندانغوس”، أولئك العمال الذين توافدوا من شتى أنحاء البرازيل، ولا سيما من منطقة “الـنورديستي” (الشمال الشرقي)، لتشييد العاصمة الاتحادية في أواخر خمسينيات القرن الماضي.

وفي هذا الفضاء التاريخي أبصر النور هنريكي دا سيلفا نيتو، المعروف بـ “ميستري كالونغا”. ومع اقترابه من سن الخمسين، لا يزال هذا الأب لطفلين يستحضر في ذاكرته صورة ذلك الصبي ذي التسع سنوات الذي أرسلته والدته لشراء الخبز، فاستوقفه يومها لحن البيريمباو وأسره.

وفي حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، يسترجع تلك الذكرى قائلا: “ما زلت أشعر بالقشعريرة كلما تذكرت ذلك. اقتربت ورأيت أولئك الشبان عراة الصدور يرتدون لباس الكابويرا المعروف باسم “أبادا”. كان حبا من النظرة الأولى”. يومها كان بإمكان الخبز أن ينتظر، فالصبي وجد للتو طريقه في الحياة.

وتحمل الكابويرا في ثناياها تاريخا من النضال من أجل الحرية؛ إذ تشير الروايات المتوارثة عبر الأجيال إلى أن الأفارقة الذين استعبدوا كانوا يخفون تقنياتهم القتالية وراء حركات تبدو في ظاهرها رقصة بريئة، بهدف تضليل صائدي العبيد الهاربين. وبالنسبة إلى ميستري كالونغا، تظل الكابويرا تخلد ذكرى تلك المقاومة والتضحيات الجسيمة، ولا سيما خلال حرب الباراغواي (1864-1870)، وهو ما يوضحه قائلا: “كانوا يدفعون بالعبيد إلى جبهات القتال، ويعدونهم بالحرية. وبفضل بسالتهم، حققت إمبراطورية البرازيل النصر”.

وبعد طول حظر وتضييق، وصف رئيس البرازيل، غيتوليو فارغاس، سنة 1953 “الكابويرا” بأنها “الرياضة الوطنية الحقيقية الوحيدة”، وذلك عقب عرض قدمه “ميستري بيمبا”. وقد نجح هذا المعلم المنحدر من ولاية باهيا في انتشال هذه الرياضة من دائرة التجريم القانوني، قبل أن تدرجها منظمة اليونسكو ضمن التراث الثقافي غير المادي للبشرية سنة 2014.

قميص غير مجرى حياة

نشأ ميستري كالونغا، وهو ابن طيار، على إيقاع تنقلات والده المستمرة من مدينة إلى أخرى، قبل أن يعود إلى “فيلا بلانالتو”، حيث قرر بدوره مد يد العون لأطفال الحي؛ فهو يدرك تماما قساوة الشارع وما تنطوي عليه من مخاطر الإدمان على الكحول والمخدرات والوقوع في شرك العنف؛ إذ غيب الموت الكثير من أصدقاء طفولته أو انتهى بهم المطاف خلف القضبان. أما هو، فقد اختار الكابويرا، ويقول عنها باختصار: “لقد أنقذتني مرارا”.

وتستعيد زوجته ألكسندرا صورة ذلك الفتى المشاكس الذي كان يعاني من تعثر في الدراسة، قائلة: “ذات يوم، ناوله رجل قميصا خاصا بالكابويرا”. كانت التفاتة عابرة وبسيطة لكنها كانت كفيلة بتغيير مجرى حياته بالكامل.

بدأ هذا المسار كنشاط تطوعي، قبل أن ينتقل إلى إطار مهيكل سنة 2020 في ذروة جائحة كوفيد-19، حيث أسس مع زوجته جمعية “كالونغادا الثقافية”، التي تستقبل اليوم 96 تلميذا. وعلى هذه البقعة من الأرض ذات الموقع الاستراتيجي، والتي استردت من قبضة شبكات الاتجار بالمخدرات، غدت الإرادة الصادقة هي البنية التحتية الحقيقية للمكان.

ورغم أن الدعم العمومي المحدود يتيح شراء القمصان والآلات الموسيقية وتمويل المشاركة في المسابقات، فإن ظروف المكان لا تزال هشة؛ ففي غياب سقف يقي من الأمطار الاستوائية، تجري الحصص التدريبية تحت رحمة تقلبات الطقس، ورغم ذلك لا تكاد الحلقة تخلو من المشاركين.

ومع حلول الساعة السابعة مساء، تفتح الحلقة أبوابها أمام الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين أربع سنوات وإحدى عشرة سنة، قبل أن يتولى من تجاوزوا الثانية عشرة مواصلة التدريب عند الساعة الثامنة. واليوم، تؤتي تلك الجهود ثمارها؛ إذ أصبح كايل غوميس، البالغ من العمر سبع سنوات فقط، وصيف بطل العالم في فئة الأطفال، خلال بطولة “فولتا أو موندو بامباس 2026” التي احتضنتها برازيليا، وهو إنجاز تستحضره ألكسندرا بكثير من الفخر والاعتزاز.

غرس بذور المستقبل

لا يقتصر “ميستري كالونغا” في تلقينه على الحركات أو العزف فحسب، بل يسعى، بحكم تكوينه في مجال التدبير العمومي، إلى فتح آفاق أرحب أمام هؤلاء الشباب. ومن هذا المنطلق، يخضع الانضمام إلى الحلقة لقاعدة ذهبية يوضحها قائلا: “هنا، لا يتدرب إلا من يحصل على درجات جيدة في المدرسة. فأنا أريد أن أراهم في المستقبل محامين، ورجال شرطة، وقضاة، أو حتى رؤساء للجمهورية، ولم لا؟

وبالنسبة إلى ماريا أرييلي، البالغة 14 عاما، تتيح الكابويرا فضاء “يكون فيه الأطفال على سجيتهم”. فقبل ست سنوات، وصلت هذه الفتاة ذات الشعر المجعد والقوام الرياضي إلى برازيليا قادمة من ولاية بياوي، وهي تدرك اليوم عمق هذا الفن وما يتجاوز حركاته الظاهرة، حيث تقول: “في البداية، كنت أمارس الكابويرا دون استيعاب حقيقي لمعناها، أما الآن فالأمر مختلف تماما. يحزنني أن يختزلها البعض حتى اليوم في مجرد رقصة أو يربطوها بالدين. الكابويرا لا دين لها”.

وتعيش ماريا أيامها في سباق مع الزمن. فما إن تنتهي حصصها الدراسية عند السادسة مساء حتى تسارع إلى تعليم الصغار أساسيات الموسيقى، قبل أن ترتدي سروال الـ “أبادا” الخاص بها عند الثامنة. ويمارس شقيقها صامويل، البالغ من العمر 12 عاما، هذا الفن أيضا منذ وصولهما إلى العاصمة، معتبرا إياه ركيزة بدنية ونفسية تساعده على التطور والنضج.

وعلى مقربة من حلقة الكابويرا، تراقب جاناينا، البالغة 20 عاما، حركة لاعبي الكابويرا بنظراتها؛ وقد اضطرت، وهي على وشك وضع مولودها، إلى الابتعاد مؤقتا عن التدريب. وبينما تنهمك إحدى صديقاتها في رسم صورة طفلين على بطنها البارز، تحلم الأم المستقبلية لتوأم من البنات بنقل هذا الفن، الذي يرافقها منذ نعومة أظافرها، إلى طفلتيها.

ومع انتهاء التدريب، تضيق الحلقة وتتوقف الأجساد لحظات لالتقاط صورة جماعية توثق أوجه الاستفادة من الدعم المقدم وتتيح متابعة تطور مستوى التلاميذ. وهنا تتشابك الأذرع وتتوقف الحركة لتخلد بياض السراويل التي تخضبت بحمرة التراب، قبل أن ينصرف الجميع في انتظار الموعد القادم تحت ظلال أشجار المانجو.