الدار البيضاء: تقديم مؤلف جماعي يستكشف تحولات المجتمعات الإفريقية ودينامياتها

المذكرة السياحية 

جرى، أمس الخميس بمقر مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود بالدار البيضاء، تقديم المؤلف الجماعي “Lire les sociétés africaines / Reading African Societies” ، بتنسيق علي بنمخلوف وحسين دهبي، وذلك خلال لقاء خصص لقراءة المجتمعات الإفريقية ومساراتها التاريخية وتحولاتها ودينامياتها المعاصرة.

وقدم علي بنمخلوف، الأستاذ بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية ومدير مركز الدراسات الإفريقية، هذا المؤلف الجماعي، مبرزا أنه يقترح مداخل متعددة لفهم المجتمعات الإفريقية، ليس فقط من خلال النصوص، بل أيضا عبر الإيماءات والممارسات والتقنيات.

وخلال تقديمه للمؤلف، قرأ السيد بنمخلوف عددا من المقاطع، وتوقف عند أبرز المحاور التي تناولها هذا العمل الجماعي، الذي انبثق عن اللقاء الذي نظمه مركز الدراسات الإفريقية التابع لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية ببنجرير، من 7 إلى 9 دجنبر 2023.

وتطرق السيد بنمخلوف، على الخصوص، إلى الصدمات التي طبعت التاريخ الحديث لإفريقيا، مستندا إلى أعمال الفيلسوف الكاميروني أشيل مبيمبي، الذي يرى أن المسار التاريخي للقرون الثلاثة الأخيرة تميز بأربع لحظات صادمة، هي الإبادة، والترحيل، وتراكم رأس المال من طرف تجار الرقيق، ثم تشكل الشتات.

وفي السياق ذاته، استحضر أفكار إدوار غليسان وباتريك شاموازو بشأن تداعيات تجارة الرقيق والترحيل، مبرزا، من خلال أعمالهما، الكيفية التي تم بها تحطيم عوالم قديمة لتنشأ منطقة جديدة، وكيف أسهمت إفريقيا، عبر هذا التاريخ المؤلم، في تشكيل عوالم بعيدة.

وأوضح أن هذه القراءة التاريخية تندرج ضمن مقاربة أوسع تروم بناء الأرشيف و”استعادة” التاريخ الإفريقي من خلال سرده، ولا سيما عبر إعادة إبراز شخصيات من الماضي ظلت لفترة طويلة مغيبة عن المناهج التعليمية.

كما تناول السيد بنمخلوف مختلف أشكال المقاومة التي واجه بها الأفارقة الأسر والاسترقاق خلال تجارة الرقيق عبر الأطلسي، ثم الاستعمار، داعيا إلى قراءة التاريخ الإفريقي انطلاقا من تجارب السكان المعنيين وأصواتهم وقدراتهم على الفعل.

وتطرق العرض أيضا إلى مفهوم الحداثة، حيث أحال السيد بنمخلوف على أعمال طارق صبري، من جامعة وستمنستر، الذي يقترح الابتعاد نسبيا عن المصطلح المتداول، باستحضار مفهوم “moderness”، وهو لفظ حاضر في القواميس الإنجليزية منذ القرن السادس عشر.

وأوضح أن هذا المفهوم يحيل إلى أنماط العيش وتجربة الأفراد، من دون إعادة إنتاج الآثار التمييزية التي قد تصاحب مفهوم “الحداثة”، خاصة عندما يتحول إلى نوع من الإلزام المجرد القائل بضرورة “أن نكون حديثين”، بما قد يؤدي إلى تجاهل الحياة الملموسة للأشخاص.

ويهتم المؤلف أيضا بأوجه الاستمرارية والتفاعل الثقافي بين آداب المغرب الكبير وآداب باقي مناطق إفريقيا، مسلطا الضوء على حركة التبادل الثقافي وفضاءات الحوار التي تعبر القارة متجاوزة الحدود الجغرافية.

كما تتناول المساهمات دينامية المجتمع المدني الإفريقي، ولا سيما من خلال عمل الجمعيات وانخراط فاعلين محليين في مجالات من قبيل الصحة والتعليم واليقظة البيئية. وتشكل هذه الحيوية، بحسب المؤلفين، عنصرا أساسيا لفهم تطور مجتمعات القارة.

ومن خلال النصوص المختلفة التي يضمها، يقترح هذا المؤلف قراءة المجتمعات الإفريقية ليس فقط عبر الإنتاجات المكتوبة، بل أيضا من خلال الإيماءات والتقنيات، بما يتيح فهما أفضل لتجاربها التاريخية وممارساتها الاجتماعية وتحولاتها.

ويضم مؤلف “Lire les sociétés africaines / Reading African Societies”، الذي صدر سنة 2025، مساهمات تتقاطع فيها مجالات التاريخ والفلسفة والأدب والعلوم الاجتماعية، بهدف تقديم قراءة متعددة الزوايا للقارة الإفريقية ومجتمعاتها.