البطولة الاحترافية “إنوي” القسم الأول : المغرب الفاسي يُنْهِي انتظارا دام 41 سنة ويُشعل فرحة عارمة بفاس

المذكرة السياحية

استعادت مدينة فاس، مساء اليوم الأحد، واحدة من أبهى صفحات تاريخها الرياضي. فبعد واحد وأربعين عاما على آخر تتويج له بلقب البطولة الوطنية، عاد فريق المغرب الرياضي الفاسي إلى منصة التتويج بالبطولة الاحترافية “إنوي” للقسم الأول، مانحا المدينة لقبا طال انتظاره، ومفجرا موجة فرح عارمة اجتاحت مختلف أحياء العاصمة العلمية.

وفور إعلان الحكم نهاية المباراة، امتلأت شوارع الحاضرة الإدريسية بجماهير غفيرة خرجت للاحتفال بهذا الإنجاز التاريخي. فقد تدفق مئات، ثم آلاف الأنصار بعدها، مرتدين اللونين الأصفر والأسود، الرمزين التقليديين للنادي، نحو الشوارع الرئيسية والساحات العامة والميادين الكبرى لتقاسم لحظة طالما انتظرتها أجيال من عشاق الفريق.

وبمرور الدقائق، تحول وسط المدينة إلى فضاء مفتوح للاحتفال. فقد تعالت أصوات منبهات السيارات بشكل متواصل، وارتفعت الزغاريد من الشرفات، فيما صدحت حناجر المشجعين بأهازيج النادي، حتى غطت على معظم الأصوات الأخرى. ورفرفت الأعلام الصفراء والسوداء من نوافذ المنازل، وعلى السيارات، وفي أيدي الشباب الذين جابوا الشوارع بفرح غامر وابتسامات عريضة.

وكانت أجواء الاحتفال مشحونة بمشاعر خاصة. فبالنسبة للجيل الذي عاصر آخر تتويج للفريق سنة 1985، أعاد هذا الإنجاز إلى الأذهان ذكريات لقب غاب عن خزائن النادي لأكثر من أربعة عقود. ولم يتمالك كثيرون دموعهم وهم يستحضرون سنوات الانتظار الطويلة، والمواسم الصعبة، والآمال التي كانت تتجدد كل عام قبل أن تخيب في النهاية.

وفي المقابل، عاشت فئة واسعة من الشباب هذا الإنجاز لأول مرة، حيث اكتشفت معنى التتويج الوطني مع فريقها المفضل، وسارعت إلى توثيق اللحظات التاريخية عبر الهواتف المحمولة والتقاط الصور التذكارية.

وجاء هذا التتويج التاريخي عقب فوز مستحق وواضح للمغرب الفاسي على فريق أولمبيك الدشيرة بهدفين نظيفين في المباراة التي جمعتهما، اليوم الأحد، على أرضية المركب الرياضي بفاس برسم الجولة الثلاثين والأخيرة من البطولة الاحترافية “إنوي” للقسم الأول. وبهذا الانتصار، أنهى الفريق الفاسي الموسم في صدارة الترتيب برصيد 59 نقطة، بعد موسم اتسم بالانتظام، والصلابة الدفاعية، والنجاعة الهجومية.

وكان المركب الرياضي بفاس قد شهد حضورا جماهيريا كبيرا يليق بمباراة الحسم. فمنذ ساعات قبل انطلاق اللقاء، اكتست محيطات الملعب باللونين الأصفر والأسود، حيث توافدت الأسر والشباب والأنصار القدامى إلى المدرجات في أجواء امتزج فيها الحماس بالأمل والترقب.

وخلال الشوط الأول، بدا التوتر واضحا على المدرجات، حيث كانت كل فرصة هجومية تثير موجة من التشجيع والحماس، يعقبها صمت مشوب بالقلق عندما تبتعد الكرة عن مرمى الخصم. غير أن الجماهير لم تتوقف عن مساندة فريقها، مدركة أن أربعين عاما من الانتظار قد تُحسم في تسعين دقيقة فقط.

وجاءت لحظة الانفراج في الدقيقة 51 عندما تمكن أنس الطاهيري من هز الشباك، لتنفجر المدرجات فرحا وابتهاجا. فوقف المشجعون دفعة واحدة، وتعانقوا، ولوحوا بالأوشحة والأعلام، مطلقين مشاعر احتبست طويلا في صدورهم. ثم جاء الهدف الثاني عبر اللاعب أيمن الشباني ليؤكد تفوق الفريق الفاسي، ويبدد آخر الشكوك، محولا الدقائق الأخيرة من المباراة إلى احتفال جماعي بين اللاعبين والجماهير.

وعقب صافرة النهاية، عمت مظاهر الفرح أرضية الملعب والمدرجات. فقد احتفل اللاعبون وأعضاء الطاقم التقني ومسؤولو النادي بهذا اللقب الذي غاب عن خزائن الفريق لأكثر من أربعة عقود، بينما واصلت الجماهير ترديد الأهازيج خلال جولة الشرف التي قام بها الأبطال وسط أجواء حماسية استثنائية.

وامتدت الاحتفالات بسرعة إلى مختلف أرجاء مدينة فاس، حيث غصت الشوارع الكبرى بمواكب السيارات المزينة بألوان النادي. كما أضاءت الشهب الاصطناعية سماء المدينة، في حين رسمت الألعاب النارية مشاهد احتفالية عفوية وبهجة شعبية عارمة.

ولا يقتصر هذا التتويج على قيمته الرياضية فحسب، بل يرمز أيضا إلى عودة ناد تاريخي في كرة القدم المغربية إلى الواجهة، وإلى إثراء سجله بلقب خامس في البطولة الوطنية. كما يعكس ثمرة العمل الذي بذلته مكونات النادي، من إدارة وطاقم تقني ولاعبين، فضلا عن وفاء جماهيره التي ظلت سندا للفريق خلال فترات التراجع.

وستظل هذه الليلة من شهر يوليوز محفورة في ذاكرة سكان فاس. ففي المقاهي والساحات العامة وأزقة المدينة العتيقة والأحياء الراقية، ساد شعور موحد بالفخر والاعتزاز. وبعد 41 سنة من الانتظار، عاد المغرب الفاسي إلى أمجاده، وكتب صفحة جديدة في تاريخه الرياضي، سيستعيدها الأنصار طويلا باعتبارها ليلة عودة “النمور” إلى عرش كرة القدم المغربية.