المذكرة السياحية
في أعالي جبال الأطلس الصغير، حيث تتعانق الطبيعة البكر مع ذاكرة الإنسان، يقف منحل أنزركي شامخا كواحد من أندر الشواهد الحية على عبقرية الإنسان المغربي في التكيف مع محيطه، فهو ليس مجرد فضاء لتربية النحل، بل معلمة تراثية تختزل قرونا من الحكمة الجماعية، والتدبير المستدام للموارد، والتعايش المتناغم بين الإنسان والطبيعة.
فمنذ القرن السادس عشر، ظل هذا المنحل الجماعي، الكائن بدوار أنزركي بجماعة أركانة في إقليم تارودانت، شاهدا على تجربة فريدة من نوعها، حيث تتقاسم الأسر المحلية ملكية الخلايا وتديرها وفق أعراف تضامنية متوارثة، في نموذج يجمع بين البعد الاجتماعي والاقتصادي والبيئي في آن واحد.
ويقع المنحل الذي يعتبر من أقدم وأكبر المناحل التقليدية في العالم، في مجال طبيعي يتميز بتنوع بيولوجي غني، حيث تنتشر أشجار الأركان والنباتات العطرية والطبية، مثل الزعتر والخزامى، ما يوفر بيئة مثالية لتربية النحل وإنتاج عسل ذي جودة عالية وقيمة غذائية متميزة.
ويتميز ببنية معمارية تقليدية فريدة، تتجلى في بنايات متراصة مشيدة بالحجر والطين والخشب، وموزعة على عدة طوابق، تضم آلاف الخلايا التقليدية المصنوعة من القصب والمغطاة بالطين، وقد صممت هذه البنايات بطريقة تضمن حماية النحل من العوامل المناخية القاسية، مثل الحرارة المرتفعة والرياح القوية.
ويعتمد هذا المنحل على نظام تدبير جماعي، حيث تتقاسم أسر الدوار ملكية الخلايا، في إطار أعراف محلية تنظم الاستغلال وتحدد حقوق وواجبات كل طرف، وهو ما يعكس روح التضامن والتعاون التي تميز المجتمعات القروية بالمغرب.
وفي أوج نشاطه، كان المنحل يضم ما يزيد عن 3000 خلية نحل، غير أن هذا العدد شهد تراجعا ملحوظا خلال العقود الأخيرة، نتيجة عدة عوامل، من بينها التغيرات المناخية وتوالي سنوات الجفاف، إلى جانب التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها المنطقة.
وينتج منحل أنزركي أنواعا متعددة من العسل، أبرزها عسل الزعتر وعسل الأركان والعسل الجبلي متعدد الأزهار، وهي منتجات تعرف بجودتها العالية وخصائصها العلاجية، مما يجعلها تحظى بإقبال متزايد من قبل المستهلكين داخل المغرب وخارجه.
ويتم إنتاج العسل وفق تقنيات تقليدية متوارثة، تحترم التوازن الطبيعي للخلايا، حيث يحرص مربو النحل على ترك جزء من العسل للنحل لضمان استمرارية الإنتاج، كما يتم تفادي استعمال المواد الكيميائية، حفاظا على نقاء المنتوج.
وفي هذا السياق، يشكل المنحل رافعة اقتصادية مهمة للساكنة المحلية، إذ يوفر دخلا إضافيا للأسر القروية، ويساهم في خلق فرص شغل مرتبطة بسلسلة إنتاج وتسويق العسل، فضلا عن الأنشطة المرتبطة به، مثل إنتاج الشمع ومشتقاته.
وفي تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، قال رئيس جمعية تدارس أنزركي للتنمية والتعاون، إبراهيم الشتوي، إن منحل أنزركي يشكل موروثا حضاريا وبيئيا ذا قيمة تاريخية كبيرة، مبرزا أنه يمثل نموذجا فريدا للتدبير الجماعي لتربية النحل، ويعكس ارتباط الساكنة المحلية بمجالها الطبيعي وحرصها على استدامة موارده.
وأضاف أن هذا الموقع لا يقتصر دوره على إنتاج العسل الطبيعي، بل يساهم أيضا في دعم الاقتصاد المحلي وخلق فرص مدرة للدخل لفائدة الساكنة، لاسيما في صفوف الشباب، فضلا عن دوره في تعزيز جاذبية المنطقة في مجال السياحة القروية والإيكولوجية.
وأوضح أن منحل أنزركي ظل متوقفا عن الاستغلال لما يقارب أربعة عقود، بعدما هجرت الساكنة المحلية استعماله، قبل أن يتم، سنة 2012، تأسيس جمعية تعنى بإعادة إحيائه والتحسيس بأهميته التراثية والاقتصادية.
وأشار إلى أن المنحل شيد وفق هندسة تقليدية باستعمال مواد محلية، من قبيل الطين والحجر وجذوع النخل والخشب والقصب، ويتكون من عدة طوابق، تمتلك كل أسرة من أسر الدوار جزءا منها في إطار نظام جماعي متوارث.
وأبرز أن المنحل يضم حوالي 1200 خلية نحل تقليدية، غير أن المستغل منها لا يتجاوز نحو 250 خلية، تستغلها حوالي 15 عائلة فقط، مبرزا أن تراجع الإقبال على هذا النمط التقليدي يعود بالأساس إلى توجه عدد من مربي النحل نحو استعمال الصناديق العصرية، التي توفر إنتاجية أكبر بجهد أقل.
واعتبر، في المقابل، أن العسل المنتج في منحل أنزركي يتميز بجودة عالية مقارنة بالمناحل الحديثة، رغم محدودية كمياته، نظرا لاعتماد طرق تقليدية تتطلب مجهودا أكبر، وتحافظ في الآن ذاته على الخصائص الطبيعية للمنتوج.
وقد حظي منحل أنزركي باهتمام متزايد من قبل السلطات والهيئات المعنية، حيث تم إطلاق عدة مشاريع لترميمه وإعادة تأهيله، خاصة بعد الأضرار التي لحقت به جراء الفيضانات التي شهدتها المنطقة في تسعينيات القرن الماضي.
كما تم تصنيفه سنة 2021 ضمن التراث الوطني، بالنظر إلى قيمته التاريخية والمعمارية، مع السعي إلى إدراجه ضمن قائمة التراث العالمي، ما من شأنه أن يعزز إشعاعه على الصعيد الدولي.
وتندرج هذه الجهود ضمن رؤية أوسع تهدف إلى تثمين التراث الثقافي والطبيعي للمغرب، وجعله رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في المناطق القروية والجبلية.
وفي سياق متصل، يشكل منحل أنزركي نقطة جذب سياحية متميزة، حيث يستقطب الزوار المغاربة والأجانب الراغبين في اكتشاف هذا المعلم الفريد، والتعرف على تقنيات تربية النحل التقليدية، وتذوق العسل الطبيعي.
ويدرج المنحل ضمن مسارات السياحة القروية بجهة سوس ماسة، خاصة ما يعرف بـ”طريق العسل”، الذي يربط بين عدة مواقع طبيعية وثقافية بالمنطقة، مما يساهم في تنشيط الحركة السياحية وتعزيز الاقتصاد المحلي.
ورغم التحديات التي تواجهه، يظل منحل أنزركي نموذجا حيا لقدرة الإنسان على التكيف مع محيطه الطبيعي، واستغلال موارده بشكل عقلاني ومستدام، كما يعكس هذا المعلم التراثي إمكانيات كبيرة في مجال التنمية المحلية، إذا ما تم استثماره بشكل أمثل.
جدير بالذكر، أن منحل أنزركي يكرس مكانته كمعلمة تراثية ذات قيمة تاريخية وبيئية متميزة، تعكس عمق التفاعل بين الإنسان ومحيطه الطبيعي عبر الأجيال.
كما يشكل هذا الموقع رصيدا استراتيجيا واعدا لتثمين الموارد المحلية وتعزيز مسارات التنمية المستدامة، بما ينسجم مع خصوصيات المجال الجبلي ويساهم في دعم الدينامية الاقتصادية والاجتماعية بالمنطقة.

























































