سوق “المباركية” بالكويت، أو حينما تلتقي ذاكرة المكان بعشق الحياة

المذكرة السياحية

لم يعد سوق “المباركية” مجرد فضاء على خارطة الكويت فقط، بل نصا مفتوحا كتبه الزمن، ووقعته الأجيال، وحفظته الذاكرة الجمعية بوصفه أحد أكثر الأمكنة قدرة على الجمع بين الحياة والتاريخ.

فالحكاية بدأت قبل 125 عاما، حينما أنشأ حاكم الكويت ومؤسس نهضتها الشيخ مبارك الصباح دكانا في منطقة “القبلة” وسط الكويت، من أجل الإنصات إلى شكاوى المواطنين والنظر في مشاكلهم، ليجتذب الفضاء بضائع التجار القادمة من الهند والعراق وعمان وغيرها. هذه المنطقة التي تحولت مع توالي الزمن إلى أكبر سوق تقليدية في البلاد، واتفق التجار على تسميتها ب”المباركية” نسبة إلى الشيخ مبارك.

على الرغم من تطور الأسواق في الكويت وامتدادها العمراني وتصميماتها الحديثة، فإن سوق “المباركية” له طابعه الخاص، إذ أصبح مقصدا أساسيا للمواطنين والوافدين والسياح باختلاف الشرائح العمرية والمجتمعية ومن مختلف الجنسيات.

داخل أروقة السوق، تتجسد ذاكرة بلد وشعب، ففي كل زاوية، وكل ركن تحكي قصة من الماضي، وتمنح فرصة للزائر من أجل استكشاف معلم تراثي وطني، ما يزال حيا وشاهدا على عقود من تاريخ دولة الكويت ونشاطها الاقتصادي وطبيعتها التجارية.

يكتظ سوق “المباركية” التراثي طوال أيام العام، ولا سيما خلال شهر رمضان المبارك ومواسم الأعياد، بالمتسوقين الراغبين في اقتناء الذهب، والعطور، والأقمشة، والتمور وغيرها، إلى جانب مرتادي المطاعم الشعبية والمقاهي التراثية ومحلات الأدوات المنزلية والهدايا. بين تلك الفضاءات قليلا ما تجد موطئ قدم في الممرات المزدحمة أو مقعدا شاغرا في المطاعم أو المقاهي الشعبية.

مدير سوق المباركية الأسبق عبد العزيز المسعود يرى، في تصريح صحفي، أن سر تألق السوق يعود إلى الجمع بين المكون النظامي والشعبي في الوقت نفسه.

“ما زالت المباركية هي المبتغى والملاذ، خاصة في شهر رمضان المبارك، عندما تبحث عن مكان حيوي دافئ لتتناول فيه وجبة ساخنة من الفطور أو السحور مع أهلك أو معارفك”، يقول المسعود.

وبحسب مدير السوق الأسبق، فإن “الكرم سمة من السمات الأصيلة في المباركية التي لا يشقى جليسها. فطوال شهر رمضان لا يمر محتاج دون دعوة مجانية للإفطار”.

بالمباركية مقاه شهيرة وقديمة قدم نشأتها، منها مقهى “بوناشي” ومقهى “الرعيل الأول”، فضلا عن مقاه شبابية، تجمع بين الأصالة والمعاصرة بألوانها الفاتنة والعصرية.

يحكي أيمن، بائع شاي وقهوة في ساحة “المباركية”، في تصريح مماثل، أن “سر المباركية في روادها، فالمرء يمر بين دهاليز السوق ويشرب الشاي أو القهوة ويقتني مايشاء مع أسرته أو رفاقه ويمضي”.

ويرصد هذا البائع الشاب الابتسامة الدائمة على وجوه مرتادي السوق والحيوية الزائدة التي تميز المكان. “الجميع يأتي إلى السوق راغبا في التمتع بتلك الأجواء”، يقول أيمن.

“السكيك” القديمة، أو الممرات في المباركية، ليست ردهات ضيقة فقط، بل خطوط ذاكرة رسمها الآباء والأجداد بأقدامهم، فصارت طرقا تعرف أصحابها، وتستقبل زوارها بلا تكلف، فلكل سكة إسم، ولكل إسم حكاية، يقول أحدهم.

في “المباركية” مسميات لأسواق تاريخية كثيرة، منها “سوق واجف”، و”سوق الغربلي”، و”سوق بن دعيج”، و”سوق البشوت”، و”سوق السلاح”، وغيرها من المعالم.

في قلب هذا المشهد اللافت، يقف مسجد “السوق الكبير”، شاهدا على فلسفة كويتية أصيلة جمعت بين العبادة والعمل، وبين التجارة والقيم. وجود المسجد في قلب السوق لم يكن صدفة عابرة، بل تعبيرا عن وعي مبكر بأن البحث عن الرزق لا ينفصل عن التحلي بالأخلاق.

من أبرز معالم “المباركية” أيضا “قيصرية بن رشدان”، التي أسسها سلمان بن رشدان العازمي، لتكون نموذجا متقدما في تنظيم السوق، ودليلا على نضج الفكر التجاري الكويتي، حيث اندمج التنظيم الحديث مع البيئة التراثية دون أن يفرغها من روحه.

وتنتصب “مدرسة المباركية” بوصفها أول مدرسة نظامية في الكويت، لتؤكد أن هذا المكان لم يكن سوقا فحسب، بل مهدا للوعي وبداية للتعليم الحديث، في حين يمتد شارع “الأمير” وشارع “الغربلي” بوصفهما شرايين تاريخية نابضة بالحياة، ويقف “سبيل ابن دعيج” (سقي الماء) شاهدا على ثقافة الوقف والتكافل، فيما تحضر مكتبة “الرويح” بوصفها دليلا على أن المعرفة كانت رفيقة التجارة.

كما تظل ساحة “الصفاة” مركزا للأحداث والتجارة والحياة العامة، وبالقرب منها يقف “كشك مبارك” شاهدا على مرحلة سياسية نادرة، حين كان الحاكم حاضرا بين الناس، قريبا منهم، في صورة تختصر فلسفة الحكم الكويتي في بساطته وعمقه الاجتماعي.

سوق “المباركية” ليس سوقا بالمعنى التقليدي فقط، بل منظومة حضارية متكاملة، نشأت من حاجة الناس، وترسخت بثقافتهم، وتحولت مع الزمن إلى مرجع بصري واجتماعي واقتصادي، يحمل من ملامح الكويت ما لا تحمله الكتب وحدها.

إن ما يميز هذا السوق اليوم ليس ماضيه وحده، بل قدرته على البقاء حيا، لا كمتحف صامت، ولا أثر تاريخي جامد يزار فقط للذكرى، بل كفضاء نابض بالحياة.