المذكرة السياحية
في خطوة وصفت بالكبيرة على المستوى الاقتصادي، أقدم رجل الأعمال المغربي سعيد كلماني، المدير العام المساعد لمجموعة “3T Développement Maroc”، على الاستحواذ على سلسلة “Tacos de Lyon”، إحدى أبرز علامات الوجبات السريعة في فرنسا. صفقة تجارية تحمل في ظاهرها وعودًا بالاستثمار والنمو، خاصة مع إعلان نية العلامة الفرنسية O’Tacos افتتاح 15 فرعًا جديدًا في مدن مغربية كبرى كطنجة، فاس، مراكش وأكادير.
لكن خلف هذا التوسع التجاري، تطرح العملية تساؤلات عميقة حول النموذج الغذائي الذي يُراد ترسيخه في السوق المغربية. ففي ظل تحذيرات منظمة الصحة العالمية المتكررة من تفشي الأطعمة المصنّعة والمشبعة بالدهون والمواد المضافة، يبدو أن المغرب بصدد استقبال “غزو غذائي ناعم” يستهدف فئة الشباب ويكرس أنماطًا استهلاكية بعيدة عن الخصوصية الثقافية والصحية المحلية.
الواقع أن حلم الشباب المغربي، اليوم، لا يُبنى على مشاريع غذائية تعكس الموروث المغربي الأصيل، بل بات يُختزل في سندويتش مفرط المحتوى من البطاطس المقلية، الجبن الصناعي، والصلصات المجهولة. بدل أن تتحول أكلاتنا التقليدية إلى نسخ صحية وعصرية – كـ”بسطيلة سريعة” أو “طنجية إكسبرس” – نقبل على مطابخ غربية لا تراعي معايير الجودة ولا الانتماء.
في هذا السياق، يظهر واضحًا غياب مشروع وطني حقيقي لتثمين المطبخ المغربي كرافعة اقتصادية وهوية غذائية قابلة للتدويل. وبدل أن تتحول طاقاتنا الريادية إلى ابتكار منتوجات مغربية خفيفة وصحية تواكب نمط الحياة العصري، نسمح بتسويق منتجات تفتقد لأي قيمة غذائية أو ثقافية، تحت شعار “العولمة”.
إن ما يحدث ليس مجرد توسع تجاري بريء، بل هو امتداد لنموذج استهلاكي يُفرض على المجتمعات النامية في صمت. فكما كان الاستعمار التقليدي يسعى إلى فرض ثقافته، فإن الاستعمار الغذائي اليوم يعيد إنتاج السيطرة من خلال الذوق والعادة.
وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في عدد الفروع المفتوحة أو حجم الصفقة، بل في قدرة المغرب على حماية ذاكرته الغذائية، وبناء نموذج غذائي بديل يزاوج بين الأصالة والمعاصرة، ويضع صحة المواطن المغربي في صلب أولوياته. فالطعام ليس فقط سلعة، بل هو تعبير عن الهوية والسيادة.


























































