المذكرة السياحية
مع مطلع العقد الثاني من القرن الـ21، وفي ذروة اندفاع الإنسانية بخطى متسارعة نحو رقمنة شاملة تطول كل مناحي الحياة، حيث تكاد تتلاشى الحدود بين الواقعي والافتراضي، بدأت ملامح جيل جديد تتشكل في كنف الهواتف الذكية، والأجهزة اللوحية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، على حساب أراجيح الطفولة وساحات الحي.
وفي ما يشبه الاستيلاب الذي يفقد فيه الإنسان علاقته بذاته والآخرين، ودّع “الجيل ألفا” طيفا واسعا من ألعاب الأجيال السابقة، ليعانق شاشات تترصد براءته، وتحد من الحركة والاكتشاف والانغماس في حضن الطبيعة.
هذا الموضوع شكل أحد المواضيع الأساسية التي تناولتها بشكل مباشر مجموعة من الورشات والندوات، ضمن فعاليات الدورة الـ 16 لمهرجان الشارقة القرائي للطفل، من خلال تسليط الضوء على مخاطر العالم الافتراضي، ووسائل التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي، أو بشكل غير مباشر عبر تنظيم مجموعة من الورشات والألعاب التفاعلية التي تهدف إلى أن يتذوق الأطفال حلاوة اللعب، بعيدا عن سطوة الشاشات الإلكترونية.
وإن كان أغلب المتحدثين قد أقروا بصعوبة تربية أطفال الجيل الحالي بعيدا عن الأجهزة الإلكترونية، إذ أن هذه الشاشات تحيط بهم في كل مكان وتجذبهم بقوة تصعب مقاومتها، فإنهم أجمعوا في المقابل على ضرورة تعزيز التوعية والرقابة الأبوية، وسن قوانين أكثر صرامة لحماية الأطفال في العالم الرقمي.
في هذا السياق، أكدت صانعة المحتوى جنان مصطفى، أنه في ظل صعوبة منع الأطفال كليا من استعمال الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، فإن الحل الأمثل يكمن في توجيههم نحو استعمالها بشكل مفيد، ومواكبتهم أثناء تصفحهم لمختلف المنصات، مع تدريبهم على التحقق من المعلومات، وعدم مشاركة أي محتوى مزيف أو مشكوك فيه.
وشددت على ضرورة تنشئة الأطفال على التفكير النقدي، من خلال تحفيزهم على التمييز بين الصحيح والخاطئ، وتوعيتهم بعدم التواصل مع الغرباء، خصوصا عبر الألعاب والتطبيقات التي تسمح بالمحادثة.
وإن كان استعمال الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية من قبل الأطفال يطرح في مجمله إشكالات كبرى، فإن استعمالهم لوسائل التواصل الاجتماعي، على وجه الخصوص، يفرض تحديات مضاعفة.
في هذا الصدد، أكد صانع المحتوى والممثل السينمائي علي طيفور، أن الأطفال لا ينبغي أن يسمح لهم باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في سن مبكرة، لما لذلك من أثر سلبي على نموهم النفسي والاجتماعي.
وأشار إلى أن “أطفالا لا يتجاوز عمرهم العاشرة باتوا يصنعون مقاطع فيديو موجهة للكبار، وهذا يطرح علامات استفهام حول غياب الضوابط”، داعيا إلى سن قوانين واضحة للحد من هذه الظاهرة.
وفي السياق ذاته، أكد ماجد سلطان، أحد زوار المهرجان، أن التعامل مع الأطفال في ما يخص استعمال وسائل التواصل يجب أن يتم بحذر كبير، لافتا إلى أنه يفضل تخصيص أوقات محددة لاستخدام الأنترنت، تكون تحت إشراف الوالدين.
بدورها، اعتبرت فاطمة عبد الرؤوف، أن التحدي يكمن اليوم في إرساء توازن بين منع الطفل من استخدام الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية وبين واقع احتكاكه المستمر بأطفال آخرين يستعملون هذه الأجهزة.
وقالت “أحاول الإشراف على استخدام أبنائي للهواتف، لكن الواقع يفرض نوعا من المرونة حتى لا يشعروا بالعزلة عن أقرانهم”.
وهكذا، وفي ظل زحف التكنولوجيا يبقى التحدي الأكبر هو استعادة الطفل من العالم الافتراضي إلى رحابة الواقع، حيث اللعب الحقيقي، والتجربة الحسية، والتفاعل الإنساني، وخلق وعي تربوي يزرع في الطفل فكرا نقديا يحصنه من غياهب الإبحار في عالم التكنولوجيا.
























































