المذكرة السياحية
ساعات قليلة قبيل استئناف محادثات سد النهضة وهي الخامسة من نوعها خلال يونيو الجاري، والتي سيتم خلالها تقييم مسار المفاوضات الثلاثية بين مصر والسودان وإثيوبيا، تتمسك أديس أبابا بإعلان المبادئ الذي تم توقيعه في مارس 2015 كمرجعية لإبرام أي اتفاق، في حين تتشبث القاهرة بتوقيع اتفاق جديد ينظم قواعد التخزين وملء المياه خلال فترات الجفاف وهو ما يبقي دائرة الخلاف قائمة في انتظار ضخ حلول جديدة ترضي كافة الأطراف.
فمنذ شهور، لم ينبثق أي اتفاق عن المفاوضات الجارية بين الدول الثلاث حول سد النهضة الذي تشيده أديس أبابا على نهر النيل الأزرق.
وطيلة محادثات الأسبوع الماضي، أبدت القاهرة والخرطوم تحفظهما على ورقة تقدمت بها إثيوبيا وتضمنت رؤيتها المتعلقة بملء سد النهضة وتشغيله، وقالتا إن هذه الورقة تشكل “تراجعا كاملا عن المبادئ والقواعد التي سبق أن توافقت عليها الدول الثلاث”.
وسارعت مصر إلى التعبير عن تحفظها بشأن الورقة الإثيوبية، لكون هذه الأخيرة، تمثل تراجعا كاملا عن المبادئ والقواعد التي سبق وأن توافقت عليها الدول الثلاث في المفاوضات التي جرت بمشاركة ورعاية الولايات المتحدة والبنك الدولي، بل وإهدارا لكافة التفاهمات الفنية التي تم التوصل إليها في جولات المفاوضات السابقة.
واعتبرت وزارة الري المصرية في بيان، أن المقترح الإثيوبي، “يؤكد مجددا أن اديس ابابا تفتقر للإرادة السياسية للتوصل لاتفاق عادل حول سد النهضة ويكشف عن نيتها لإطلاق يدها في استغلال الموارد المائية العابرة للحدود دون أية ضوابط ودون الالتفات إلى حقوق ومصالح دول المصب التي تشاركها في هذه الموارد المائية الدولية.
وشددت على ضرورة أن “تمتنع إثيوبيا عن اتخاذ أية إجراءات أحادية (..) لما يمثله هذا النهج الإثيوبي من تعقيد للموقف والذي قد يؤدي إلى تأزيم الوضع في المنطقة برمتها”.
أما الموقف الإثيوبي، فيبدو واضحا وجليا ويفيد بأن رئيس الوزراء آبي أحمد عاقد العزم على النزوع كليا نحو فرض ملء منفرد لخزان سد النهضة في يوليوز المقبل بغض النظر عن المحادثات الجارية.
والواضح أن موقف اديس ابابا، برأي المراقبين، ينبني على تطورات الوضع الداخلي الإثيوبي بعد تأجيل الانتخابات التشريعية والتي التي كانت مقررة أواخر غشت المقبل إلى أجل غير مسمى، بسبب تداعيات جائحة كوفيد- 19.
ويؤكد المراقبون أن تمسك ابي احمد بملء خزان سد النهضة بشكل منفرد من دون اي اتفاق، هو في الأصل محاولة ذكية منه لكسب تعاطف الرأي العام المحلي، وتحقيق انتصار معنوي وحشد مبكر للأصوات الانتخابية، من دون أن يلتفت لنتائج المفاوضات الجارية ايا كانت.
أما السودان، وهو طرف اساسي في المعادلة، فيجدد التأكيد دائما على تمسكه ب”ضرورة اتفاق الدول الثلاث على أية خطوة، ورفض أي إجراء أحادي”.
ووفق معلومات نقلتها تقارير صحفية، يبدأ ملء خزان السد بالتزامن مع بداية فيضان النيل الأزرق، على أن يستمر حتى نهاية فصل الشتاء، بإجمالي 4.9 مليار متر مكعب، ليبدأ التشغيل التجريبي لإنتاج الكهرباء من السد، في مارس 2021.
ويبدو أن الرفض الدائم لمقترحات القاهرة، من قبل الجانب الإثيوبي، من أجل تأجيل ملء السد، هو في الحقيقة “اختبار سياسي جديد” لأبي أحمد، أمام عزم مصري شديد على تصعيد الموقف على الصعيد الدولي وإحراج إثيوبيا على الواجهة الدبلوماسية.
ومهما يكن من أمر، فإن الجولة الجديدة من المحادثات، والتي ستتم عبر تقنية “المناظرة المرئية”، بمشاركة وزراء الري بالدول الثلاث، وبحضور مراقبين من الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، رغم انها ستكون حاسمة في تقريب المواقف المتباينة بشأن النقاط الفنية الخاصة بملء السد، إلا أنها لن تكون كافية لتبديد الخلافات الدائرة، إذا ظل كل طرف متشبثا بمقترحاته.
فالجانب الإثيوبي، يؤكد دوما أن اديس ابابا ماضية قدما نحو إستكمال بناء السد، وأن السبيل الوحيد لتحقيق نتيجة تخدم المنفعة المتبادلة لشعوب المنطقة هو عدم إغفال حق اثيوبيا في تعزيز تنميتها المنشودة.
أما القاهرة التي تعول كثيرا على الخروج باتفاق شامل ينهي اساس الخلاف الدائر، وإن كانت قد أبدت عدم تفاؤلها بتحقيق أي تقدم يذكر، بحكم التعنت الإثيوبي، برأيها، إلا أنها لا تتردد في التأكيد على حرصها على تجاوز النقط الخلافية وإذكاء روح التعاون وحسن الجوار.
وحسب مصادر مقربة من المشاورات خلال الاجتماعات الأربعة السابقة، فإن هناك العديد من القضايا الرئيسية لا تزال محل رفض من الجانب الإثيوبي، وفي مقدمتها البنود التي تضفي الصبغة الإلزامية قانونا على الاتفاق، أو وضع آلية قانونية لفض النزاعات التي قد تنشب بين الدول الثلاث، بالإضافة إلى رفض أديس أبابا التام للتعاطي مع النقاط الفنية المثارة من الجانب المصري بشأن إجراءات مواجهة الجفاف والجفاف الممتد وسنوات الشح المائي.
وتعثرت في فبراير الماضي مفاوضات كانت تجري في واشنطن برعاية أمريكية، بعد أن اعتذرت إثيوبيا عن جولتها الأخيرة التي كان من المتوقع أن يتم التوقيع فيها على اتفاق نهائي بين الأطراف الثلاثة، إلا أن جهودا بذلها رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك مع نظيريه المصري والإثيوبي نجحت في استئناف المفاوضات.
وتقول إثيوبيا إنها تمضي قدما في خطتها الرامية لبدء عملية ملء بحيرة السد في يوليوز المقبل. لكن مصر تعترض على ذلك، خشية تراجع حصتها من مياه النيل على ضوء ضخامة المياه اللازمة لتعبئة البحيرة الاصطناعية التي تصل مساحتها إلى 246 كيلومترا مربعا وتتسع إلى أكثر من 74 مليار متر مكعب.
وتتخوف القاهرة من تأثير سلبي محتمل للسد على تدفق حصتها السنوية من مياه نهر النيل، البالغة 55.5 مليار متر مكعب، بينما يحصل السودان على 18.5 مليار. في المقابل تؤكد إديس ابابا أنها لا تستهدف الإضرار بمصالح مصر، وان الهدف من بناء السد هو توليد الطاقة الكهربائية.
























































