الحفاظ على التصنيف السيادي لجنوب إفريقيا … معركة بريتوريا الخاسرة

المذكرة السياحية

يقدم وزير المالية بجنوب إفريقيا تيتو مبويني غدا الأربعاء أمام البرلمان ميزانية حكومته برسم السنة المالية 2020-2021 ، وهي مناسبة ينتظرها المواطنون كما المستثمرون بترقب شديد، لمعرفة مدى قدرة البلاد، التي تعيش أزمة اقتصادية خانقة، على الاحتفاظ على تصنيفها السيادي الأخير.

وبرأي الأوساط المالية والاقتصادية ، فإن مثول وزير المالية أمام البرلمان هو بمثابة الفرصة الأخيرة لجنوب إفريقيا، التي تفاقمت مشاكلها واستنزفت مواردها المالية العامة في إنقاذ الشركات العمومية المتعثرة والمهددة بالانهيار في ظل انكماش اقتصادي حاد.

وبينما يترقب مواطنو هذا البلد ما سيحمله خطاب وزير المالية أمام البرلمان من جديد، تتجه أنظارهم كذلك نحو ما سيتضمنه التقرير المقبل لوكالة “موديز” للتصنيف الائتماني العالمي، وما إذا كانت جنوب إفريقيا ستخسر النظرة المستقرة الوحيدة ، رغم أنها مترددة، لتصنيفها الائتماني ، علما أن وكالتي “فيتش” و “ستاندار أند بوورز” خفضتا هذا التصنيف بشكل سلبي.

وكانت وكالة “موديز” قد أعلنت أنها ستنتظر التدابير التي سيتضمنها مشروع الموازنة الذي سيعرضه وزير المالية على البرلمان غدا، لمعرفة إلى أي مدى ستمضي الحكومة، التي يقودها حزب المؤتمر الوطني الافريقي منذ 1994، في مسلسل تطهير المالية العامة وتنفيذ إصلاحات هيكلية قادرة على وضع الأسس المتينة لتحقيق نمو مستدام وشامل.

وتنظر الوكالة باستياء كبير وبنوع من الريبة إلى إنفاق حكومة جنوب إفريقيا مليارات الدولارات في تمويل مخطط لإنقاذ شركات عمومية تعيش ضائقة مالية مثل شركة “أوسكوم” القابضة المنتجة للكهرباء والشركة الوطنية للنقل ، بشكل أدى إلى تدهور الوضع المالي بالبلاد ، في وقت تفاقم فيه الدين العام مع استمرار الركود الاقتصادي ، مما أدى إلى تراجع ثقة المستثمرين.

ومنذ الأزمة المالية العالمية 2008-2009 ، لم يتمكن الاقتصاد الجنوب إفريقي من التحرر من الأعباء. وفي العام المنصرم حقق الناتج المحلي الإجمالي معدل نمو ضعيف لم يتجاوز 0،5 بالمائة، بينما تتوقع المؤسسات المالية العالمية، بما في ذلك صندوق النقد الدولي والبنك العالمي نموا ضعيفا العام الجاري يتراوح ما بين 0،8 و 1 بالمائة.

وكان رئيس البلاد سيريل رامافوزا قد تعهد في خطابه الأخير حول حالة البلاد ، بالتقليص من النفقات العمومية في محاولة لعقلنة النظام المالي الهش، موضحا أن تفاصيل مخطط التقشف هذا سيتم الكشف عنها عند تقديم قانون المالية.

ولا ينظر المحللون والخبراء بتفاؤل كبير لالتزامات من هذا القبيل، في ظل سياق اجتماعي متوتر للغاية ، حيث بدأت النقابات تلوح بالتصعيد ضد كل قرار من شأنه المساس بمناصب الشغل أو خفض الأجور والتي تستحوذ على 35 بالمائة من إجمالي ميزانية الدولة.

كما أنهم لا ينتظرون كثيرا من الخطاب المرتقب لوزير المالية أمام البرلمان، مؤكدين أن المراجعة السلبية للتصنيف السيادي للدولة ليست سوى مسألة وقت.

ومن المنتظر أن تنشر وكالة “موديز” تقييما جديدا للوضع الاقتصادي لجنوب إفريقيا في 21 مارس المقبل. ويبدو أن الوكالة لم تعد مقتنعة ولا مطمئنة للوعود التي يطلقها مسؤولو هذا البلد، وهو ما تجسد في مراجعة توقعاتها للنمو لسنة 2020 إلى 0،7 بالمائة انخفاضا من 1 بالمائة.

ويرى خبراء ومحللون اقتصاديون أن التخفيض المنتظر لتصنيف جنوب إفريقيا السيادي من شأنه أن يزيد الوضعية تعقيدا وسوءا ، وسيؤدي بالخصوص الى هروب الاستثمارات ، توقع مصرف “ميلون كور” الموجود في نيويورك أن يبلغ حجمها 15 مليار دولار.

كما أن العملة المحلية “الراند” التي تراجعت بشكل كبير وخسرت من قيمتها مقابل الدولار خلال السنوات الاخيرة مرجحة لمزيد من التراجع ، حيث يتوقع محللون أن يسجل سعر صرف الدولار 20 راندا مقابل 14،50 حاليا.

وفي سياق صعب كهذا، تبدو مهمة وزير المالية ، المحافظ السابق للبنك المركزي، معقدة وصعبة للغاية، فالامر لا يتعلق فقط بمحاولة منع انزلاق البلاد إلى منعطف اقتصادي خطير ، لأنه بالفعل واقع ملموس، ولكن تفادي مزيد من التدهور الذي تفيد كل المؤشرات أنه لا محالة قادم.