المذكرة السياحية
بعد عشرة أيام على انتخابه بنسبة 72.71 في المائة من الأصوات، تم أمس الأربعاء تنصيب الرئيس قيس سعيد رسميا، في مجلس نواب الشعب (البرلمان)، ليصبح بذلك سابع رئيس للجمهورية التونسية.
وفضلا عن حضور الرؤساء السابقين ورؤساء الحكومات المتعاقبة وممثلي الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية والسلك الدبلوماسي، تميز الحفل بحضور رئيسي مجلسي النواب والمستشارين السيدان الحبيب المالكي وحكيم بنشماش، وهو الحضور الذي لقي تقديرا كبيرا من قبل الرئيس التونسي المنتخب ورئيس مجلس نواب الشعب بالنيابة.
وكان الوفد المغربي الذي مثل صاحب الجلالة الملك محمد السادس، هو الوفد الوحيد الذي حضر حفل التصيب على الصعيدين العربي والمغاربي.
ويأتي تنصيب الرئيس الجديد ليؤكد حيوية العملية الديمقراطية التونسية الفتية. فبعد مرور تسعين يوما على وفاة الرئيس الباجي قائد السبسي، تمكنت البلاد، على الرغم من كل أوجه عدم اليقين التي سادت، من إظهار صلابة مؤسساتها، وجعل التناوب السلمي على السلطة أمرا ممكنا، واحترام الآجال الدستورية المحددة وضمان استمرارية الدولة.
وبعد تنصيب الرئيس قيس سعيد، الجديد على الساحة السياسية، الذي لا يتوفر لا على حزب سياسي أو كتلة برلمانية، ستبدأ مرحلة أخرى.
وبحسب المحللين، فإن طموحات الرئيس الجديد ستكون في مواجهة الواقع، وما ينبغي القيام به، والقرارات التي سيتعين عليه اتخاذها عندما يدرك تعقيد الوضع ومدى صعوبة تحويل الأقوال إلى أفعال.
ويقع على عاتق الرئيس الجديد، الذي أثار انتخابه حماسا كبيرا بين التونسيين، وخاصة في أوساط الشباب، واجب الاستجابة لتطلعات الشباب وعدم تخييب آمالهم، فضلا عن ضرورة الإقناع، وفتح السبل الممكنة لتحريك الخطوط وقيادة التغيير الذي يتطلع إليه الجميع منذ عام 2011، والذي لا تلوح معالمه، مع ذلك، في الأفق.
وعلى الرغم من كونه يحظى بشرعية كبيرة لا مراء فيها، فإن الرئيس الجديد لا يتوفر مع ذلك على كل المفاتيح في متناول اليد، من أجل إجراء تغيير تام لمعطيات الوضع.
فكيف يمكنه التحرر من حركة النهضة (الحزب الإسلامي الذي فاز في الانتخابات التشريعية)؟ وكيف سيستطيع بالتالي تحقيق تعهداته على أرض الواقع؟ تلك بعض من الأسئلة التي تشغل بال عدد من المراقبين.
وبالنظر إلى الوضع السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي السائد في البلاد، فإن الرئيس الجديد سيتعين عليه استكشاف واقع لا يخلو من تعقيد. وبالتالي فإن أي قرار يتخذه سيكون محط الأنظار، وفق المصادر ذاتها.
خطابه الأول إلى الأمة أمس الأربعاء في مجلس نواب الشعب لم يحد عن القاعدة، وكان وفيا لشخصية الرجل غير النمطية، الذي بات عليه أن يخوض غمار عوالم السياسة.
ولئن كان قد حرص على طمأنة التونسيين بشأن عدد من القضايا الحساسة وإرسال إشارات إيجابية إلى المجتمع الدولي بشأن استمرارية الدولة، واحترام تونس للمعاهدات والاتفاقيات التي وقعتها، ومواصلة التعاون مع الدول الشريكة، فإن خطابه طبعته لمسة من المثالية، بحسب ذات المصادر.
ويظهر ذلك على عدة مستويات، بما في ذلك على مستوى “الاستثناء التونسي” على حد تعبيره، والذي قاده إلى المنصب الأعلى في الدولة، اعتمادا على أساليبه غير النمطية ولكنها شرعية في ذات الوقت.
هذه المثالية تظهر أيضا في المقاربة التي يدعو إليها لتمكين البلاد من مواجهة التحديات والاستجابة لتطلعات التونسيين من أجل الحرية والكرامة.
ويظهر ذلك أخيرا، في التصور الذي يدافع عنه من أجل تدبير العلاقات الدولية، التي يعتبر أنها ينبغي أن تكون على درجة عالية من الإنسانية.
وببقائه وفيا لخطابه، الداعي إلى عدم التوقف عند مستوى دولة القانون لبلوغ مستوى مجتمع القانون، فإن قيس سعيد يكشف عن أولويات عمله خلال ولايته الرئاسية التي تمتد على خمس سنوات.
وتهم هذه الأولويات على الخصوص تصميمه على مواصلة مكافحة الإرهاب، والحرص على احترام القانون، وضمان حياد مرافق الدولة والمضي قدما في دعم حقوق المرأة.
وفي ما يتعلق بهذا الملف يؤكد الرئيس قيس سعيد أنه “لا مجال للمساس من حقوق المرأة التونسية”، مشددا على ضرورة دعم تلك الحقوق و خاصة منها الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية.
و يدرك الرئيس الجديد التحديات وانشغالات التي تؤرق التونسيين والجهود التي ينبغي بذلها لإخراج البلاد من وضع الانتظار وضرورة استعادة الثقة بين الحكام والمحكومين.
ويعتبر الرئيس أن آمال التونسيين كبيرة، وحقوقهم مشروعة ولا يحق لأحد أن ينساها أو يتجاهلها.
وفي مقابل ذلك يرى بعض المراقبين، أن خطاب الرئيس ظل مع ذلك خطابا مليئا بالشعارات ولا يتضمن توجهات العمل أو الإصلاحات المزمع القيام بها.
لقد قدم قيس سعيد نفسه كرئيس جامع للتونسيين وضامن لاحترام الدستور ومصالح الدولة التونسية، حيث أكد أن “المسؤولية الأولى لرئيس الدولة هي أن يكون رمزا لوحدتها و أن يسهر على احترام الدستور وان يكون جامعا لكل التونسيين”.
وبالنظر إلى اختصاصات رئيس الجمهورية بموجب دستور عام 2014، فإنه سيكون من الصعب على الساكن الجديد لقصر قرطاج، الذي يتمتع بميزة كبيرة، تتمثل في شرعيته الشعبية القوية، تغيير الوضع بسرعة، واعتماد السبل الملائمة لإيجاد الحلول الصحيحة للإشكاليات الهيكلية، ومواكبة التطلعات الكبيرة التي أثارها ارتقاؤه غير المتوقع، من خلال إصلاحات عميقة ومنجزات ذات أثر ملموس بسرعة.






















































