الانتخابات التشريعية والرئاسية: 218 حزبا تتأهب لخوض غمار المنافسة

المذكرة السياحية

بإعلان الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في شهر مارس الماضي عن موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة في تونس، والمقرر تنظيمها على التوالي في أكتوبر ونونبر القادمين، فإنها تكون قد أعطت، في الواقع، إشارة بدء حملة انتخابية يبدو أنها ستكون طويلة وشاقة وغير حاسمة.

وعند خط البداية، يوجد ما لا يقل عن 218 حزبا سياسيا ستتنافس على 217 مقعدا في مجلس نواب الشعب (البرلمان)، فضلا عن المنافسة على منصب رئيس الجمهورية.

هذه الأحزاب التي تشكل فسيفساء متنوعة المشارب، تتقدم لخوض استحقاقات مهمة في المسلسل الديمقراطي لتونس، مع أن تلك الأحزاب تشكو من ضحالة في حصيلة منجزاتها، وعدم انسجام في برامجها وضعف إقبال عليها من طرف التونسيين، ولاسيما الشباب منهم الذين فضلوا أن يديروا ظهورهم إلى الطبقة السياسية، التي يعتبرون أنها فشلت في أداء دورها ومهامها.

ويتعلق الأمر أيضا بأحزاب لديها حظوظ غير متكافئة بالنظر إلى ضعف وزنها في المجتمع، وعدم رسوخها في مختلف مناطق البلاد وتأثيرها الضئيل في الحياة العامة.

و إذا كان يبدو أن المنافسة ستقتصر على حزبين أو ثلاثة، فإن البقية ستواجه صعوبة في إنهاء هذا السباق، بفعل نقص الإمكانيات وخاصة ضعف التأثير، مما يحكم عليها بلعب دور “الكومبارس” والاكتفاء بالفتات الذي سيتركه لها نظام الاقتراع على أساس التمثيل النسبي مع الأخذ بأكبر البقايا.

ويتعين أن تستكمل العملية الانتخابية برمتها بحلول نهاية عام 2019. وهو ما يعني أن البلاد سيكون لها، اعتبارا من فاتح يناير 2020، رئيس جديد، وبرلمان منتخب وحكومة أخرى على الأرجح.

وتحدد الرزنامة المعلن عنها، وكذا التعديل الأخير للقانون الانتخابي، الذي سارعت بعض الأحزاب إلى انتقاده، تاريخ الانتخابات التشريعية في 6 أكتوبر المقبل. على أن ينظم الدور الأول من الانتخابات الرئاسية يوم 10 نونبر 2019، فيما يجرى الدور الثاني بعد أسبوعين من الإعلان النهائي عن نتائج الدور الأولى.

وسيجرى السباق الانتخابي على الأرجح على نحو مشتت وفي سياق متذبذب. وبحسب عدد كبير من المراقبين، فإن الأحزاب السياسية ستنطلق لخوض “مغامرة غير محسومة”، مع “حصيلة أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها كارثية خلال الفترة ما بين عامي 2014-2019”.

وتعيش البلاد على وقع أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، إلى جانب قضايا مثيرة للجدل، كان آخرها وفاة 15 رضيعا في مستشفى عمومي بتونس العاصمة بسبب “تعفن جرثومي”، مما خلف استياء وحالة من التأثر لدى معظم التونسيين. وقد ألقت تلك القضية الضوء على الاختلالات التي تشكو منها المرافق العمومية الأساسية بحسب ذات المراقبين.

وجاء حادث المدرس الذي اعتقل على إثر اغتصابه وتحرشه بحوالي عشرين تلميذا في صفاقس (جنوب شرق) في مطلع شهر مارس الماضي، ليزيد من قتامة الصورة التي باتت عليها المدرسة العمومية.

وفي ظل هذه الأجواء تتداخل الشكوك والمخاوف والقلق الكامن بسبب غياب رؤية وآفاق لدى الأحزاب السياسية التي تجد نفسها غير القادرة على تعبئة هيئة انتخابية تحجم أغلبيتها عن المشاركة في هذه الاستحقاقات الانتخابية.

ويبدو أن معظم النواب سينطلقون في الحملة، ولديهم شعور بالواجب غير المكتمل مما يؤثر على صورتهم.

وفي هذا الصدد يلاحظ المراقبون أن أكثر من 140 مشروع قانون مازالت تنتظر في أدراج مجلس نواب الشعب، الذي أصبح أقرب إلى ساحة للصراعات العقيمة والمزايدات غير مثمرة.

ويبدو أن الأحزاب السياسية التي ينتمي إليها هؤلاء النواب لم تستوعب الدروس المستخلصة من الانتخابات البلدية التي جرت في شهر ماي 2018، حيث كان العزوف عن التصويت أكبر الفائزين فيما منيت الأحزاب الكبرى مثل حركة النهضة (إسلامية) ونداء تونس (وسط) بإخفاق مرير على الرغم من تحقيق فوز صعب بالحصول على أغلبية المجالس البلدية، في ظل عزوف للشباب عن الحياة السياسية، وظهور قوى سياسية جديدة تزعم الانتماء إلى المجتمع المدني وقوى ديمقراطية اجتماعية.

وفقا للمصدر ذاته فإن الأمر يتعلق بسيناريو قد يتكرر في الانتخابات التشريعية التي قد تشهد دخول مرشحين من الاتحاد العام التونسي للشغل (أقوى مركزية نقابية في البلاد) إلى حلبة السابق الانتخابي، حيث إن عددا من قادة الاتحاد أكدوا مرارا أنهم معنيون بهذه الانتخابات.

وفي هذا السياق المتعدد الرهانات، تخيم العديد من الغيوم حول حظوظ هؤلاء وأولئك وحول التحالفات التي يمكن عقدها، على أن الأمر المؤكد هو أنه لن يكون هناك تحالف بين النهضة ونداء تونس، بعد أن أصبحا أخوين عدوين.

وفي جميع الحالات، فإن المراقبين يحذرون من إعراض شرائح من هيئة الناخبين عن صناديق الاقتراع بحلول يوم الاستحقاق ورفض منح ثقتهم لطبقة سياسية بعيدة عن انشغالاتهم.

ويبدو أن هذا الوضع سيكون في مصلحة حركة النهضة التي تمنحها معظم استطلاعات الرأي فوزا سهلا نظرا لقاعدتها المستقرة والمنضبطة واستعدادها لاستخدام جميع الوسائل، بما في ذلك المساجد من أجل تعبئة الحشود وتحقيق الفوز.

وعلى الرغم من أن عودتها المعلنة تقلق تيارات الوسط والقوى الاشتراكية الديموقراطية والتيارات التقدمية واليسار، فإنها تبدو حتمية. وتشكل الانقسامات التي تميز المشهد السياسي تربة خصبة لعودة الحركة الحاكمة، وهي العودة التي انتزعت منها في عام 2014 على يد حزب استقطب “التصويت المفيد”.

ويتساءل محللون سياسيون آخرون في ذات المنحى عما إذا كانت المفاجأة ستأتي من الحزب الجديد ليوسف الشاهد، رئيس الحكومة “تحيا تونس”.

وعلى الرغم من كون هذا الاحتمال يبدو صعبا، إلا أنه ليس بمستحيل، بحسب عدد من المحللين الذين يأملون في أن يتحول هذا الحزب سريعا إلى ملاذ آمن للناخبين الذين يخشون من عودة قوية لحركة النهضة إلى السلطة ومن هيمنتها على الحياة السياسية، وذلك من خلال تكرار ما حققه حزب الباجي قائد السبسي في عام 2014.

ولا يستبعد محللون آخرون قيام تحالف بين النهضة وحزب “تحيا تونس” لسحب البساط من تحت أقدام “نداء تونس” والتوصل إلى تصور أكثر استقرارا وقوة للحكم.

وفي انتظار اليوم الموعود تظل السيناريوهات بما في ذلك المستبعد منها، قابلة للتحقق. ووحدها مشاركة شعبية قوية يمكنها أن تجعل التوقعات متجاوزة.