صناعة السُّبح بمصر: حرفة عريقة ذات بعد ديني وروحاني أصيل

المذكرة السياحية

أمر لافت في شوارع القاهرة وحواريها، أن يصادفك يوميا رجل أو شاب أو حتى سيدة حاملين سُّبحة في أيديهم وأنامل أصابعهم تطوف بحبات متراصة في شكل هندسي بديع ولون لامع جذاب.

فقاطنو هذه الحاضرة من مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية سواء المارة منهم أو رواد الفضاءات العمومية والمحلات التجارية، لا تفارق السبح أيديهم وشفاههم تردد في همس أذكارا وأورادا من قبيل “سبحان الله” و”الحمد لله”، و”لا إله إلا الله”، و”الله أكبر”، وذلك في تسبيح لله تعالى وحمده على نعمه.

ولا يقتصر حمل هذه السُّبح على الشعور الروحاني فحسب بل يتعداه إلى كونها صارت، ومنذ عقود، ظاهرة اجتماعية وعادة متأصلة في المجتمع المصري بل ولا تكتمل مظاهر شهر رمضان الكريم إلا بالسبحة، حيث يزداد في هذا الشهر الفضيل كما في مناسبات دينية من حج وعمرة وأعياد، الإقبال على اقتناء السبح بمختلف أحجامها وألوانها وحملها في معصم اليد.

كما أن حمل السُّبحة كوسيلة للتخشع والتقرب إلى الله، لم يعد يقترن فقط بالذكر والورد والبحث عن الهدوء والراحة النفسية، وإنما أضحى مرادفا للوجاهة الاجتماعية ودلالة على هيبة حاملها.

وتساهم صناعة هذا المنتوج الأصيل الذي يؤرخ لتاريخ عريق، في تحريك العجلة الاقتصادية لفائدة سكان القاهرة العتيقة من خلال الإقبال المتزايد على اقتنائها .

فقبل حلول كل مناسبة دينية، وخاصة في شهر رمضان، تجد صانعي السبح منهمكين داخل ورشاتهم بأحياء خان الخليلي والجمالية ومنشية ناصر وسط القاهرة، في إعداد كميات كبيرة مختلفة الشكل واللون والحجم.

وإذا كان هؤلاء يتعبون ويتحملون شقاء يوم من أجل صنع سبحة واحدة أو سبحتين في حرفة شاقة ذهنيا تتطلب صبرا وتركيزا ونفسا طويلا ومزاجا لائقا، فإنهم ، في مقابل ذلك ، لايجدون صعوبة في بيع منتوجهم واقتناص الزبناء سواء محليين أو من بلدان عربية، وذلك لأن ورشاتهم معروفة ومشهورة بألقاب أصحابها أبا عن جد في مهنة تعود لمئات السنين.

في ورشات بحي خان الخليلي التاريخي، معقل صناعة السبح في مصر، غالبا ما تلمح رجلا وهو في تركيز شديد داخل ورشته لأن يداه مشغولتان بتجميع حبات في خيط رفيع يتسلل في ثقوب متقنة تعطي في النهاية سبحة تصنع من مادة خام نباتية (بذور الكوك، جذوع نباتية بحرية مثل شعاب المرجان، أخشاب الزيتون والأبانوس والعنبر والعاج وعظام الجمال) ويتطلب إعداد هذه السبحة مراحل متعددة تبدأ بشق ثمرة الكوك (حبات تنبت في الماء وتستورد من البرازيل ) حتى تصبح لامعة وناعمة ، ثم تقطع إلى أجزاء صغيرة مربعة الشكل، وتخرم من المنتصف وبعد ذلك يتم إدخال كل قطعة في آلة لتحديد مقاس حبات السبحة (33 حبة أو 99 حبة).

وتختلف أنواع السبح من حيث الحجم واللون والعدد والمادة المصنعة منها.

ففي محل مليئ بالسبح يعبق منه عطر العود والمسك ما يمنح الزائر طمأنينة وهدوءا روحانيا، تجد مجدي حسن ( 53سنة) بائع سبح، دائب الحركة ومنشغل في تقديم أنواع مختلفة منها لزبنائه.

وقال مجدي الذي امتهن هذه الحرفة وعمره 9 سنوات، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، إنه قضى أزيد من 20 سنة في مزاولة هذه الحرفة كخراط للسبح قبل أن يصبح تاجرا فيها يمتلك محلا كبيرا على شكل معرض مفتوح للسبح أغلبها مصنوع بطريقة يدوية، مؤكدا أنه لا يمكن الاستغناء عن هذه الحرفة التي ورثها عن والده منذ 1956، لأنها مصدر دخله الوحيد لأسرته ولمساعديه بهذا المحل.

وتابع مجدي، “الإقبال على اقتناء السبح يكون على مدار العام حيث يتوافد الزبائن على شرائها بشكل مستمر ، لكن يزداد بشكل ملحوظ في الفترة التي تسبق شهر الصيام المبارك وموسمي الحج والعمرة، غير أن هذا الإقبال جعل محلات بيع السبح تكثر حتى وصل عددها الى 150 محلا، منها فقط 10 محلات قديمة تعود ل 60 سنة.

ويروي مجدي ، في بوح للوكالة، قصص وأسرار صناعة السبح حيث يقول “المهنة تتطلب نفسا طويلا وصبرا ومزاجا لائقا، وعلى الصانع اليدوي أن يتحمل شقاء يوم من أجل أن ينتج سبحة أو سبحتين في اليوم بكل دقة ومهارة وجمالية وزخرفة لأن صناعة السبح هي في الأخير فن أصيل له بعد ديني ورمزية روحية جاذبة للسكينة والطمأنينة والسمو بالروح من خلال ذكر الله والتسبيح بحمده.
وبات أغلب صناع السبح بالقاهرة العتيقة يفضلون استخدام آلات عصرية لإنتاج أكبر كمية منها في وقت قصير وتحقيق ربح سريع ، بدل الطريقة التقليدية التي تنتج سبحة واحدة في اليوم ، لاسيما مع إغراق السوق المصرية بالسبح التركية والصينية حيث أضحت هذه الصناعة تلقى في الآونة الأخيرة، منافسة من هذين المنتوجين وخاصة المنتوج الصيني.

يقول مجدي حسن، “بعض التجار أصبحوا يقبلون على بيع السبح الصينية لأن ثمنها بخس ولا تتميز بالجودة ، وأيضا لغلاء أسعار المواد الخام”، ومع ذلك ، يضيف مجدي، أن المنتوج الصيني لن يؤثر على المنتوج المصري، فالجودة تبقى للمنتوج المحلي المصنوع بلمسة يدوية محلية وبمواد أولية طبيعية ما يجعل من السبحة المصرية منتوجا خاصا ومميزا له أبعاد تراثية وحضارية عريقة.

من جهته، أكد خالد عبد المجيد خميس، وهو فنان تشكيلي مصري وباحث في الحرف التقليدية، في تصريح مماثل، أن صناعة السبح بمصر حرفة ثقافية ذات بعد ديني وشعور روحاني، مشيرا إلى أن الحرفي الذي يشتغل بطريقة يدوية يحقق مكسبا ثقافيا وروحيا قبل المكسب المادي لأن الصناعة اليدوية تحصن أصل هذه الحرفة، معربا عن الأسف لانتشار ورشات عديدة تعتمد على آلات متطورة لصناعة السبح باستثناء عدد قليل جدا أغلبهم في عقدهم السادس لازالوا يشتغلون بطريقة يدوية متقنة وبمهارة وجودة عالية .

وأشار الباحث، إلى أن أغلب الصناع اليدويين تركوا هذه الحرفة ولجأوا للتجارة فيها وهذا أمر لا يشجع الشباب على ولوج هذه المهنة، داعيا إلى التشبث بهذه الحرفة العريقة لأنه من خلال التشجيع على صناعة السبح بطريقة يدوية “سنحافظ على هويتنا التراثية التي لم نفقدها بل تخلينا عنها” مقابل مكسب مادي سريع باستخدام آلات حديثة تغيب على اثرها اللحظة الروحانية لدى الحرفي وهو يصنع سبحة من 33 أو 99 حبة عكس صناعة يدوية يكون خلالها الصانع في لحظة شعور روحاني يذكر فيها الله ويسبحه بحمده.

كما دعا إلى الحفاظ على هذه الحرفة والاهتمام بها والبحث عن ما تبقى من حرفيين يدويين متمسكين بها، وتشجيعهم وتحفيزهم ودعمهم وتمكينهم من ورشات للتصنيع حتى يساهموا في تكوين جيل جديد من الشباب لتثمين هذا الموروث الثقافي وحمايته من الاندثار في ظل منافسة شديدة في السنوات الأخيرة من المنتوج التركي والصيني.

وبقدر ما هي حرفة تقليدية، تضمن قوت عيش فئة من الحرفيين، بقدر ما هي أيضا وفي الآن نفسه، عادة أصيلة دأب عليها أهالي القاهرة، لإشباع نهمهم الروحي أثناء التعبد وأداء الصلوات في شهر رمضان وفي باقي المناسبات الدينية.