متحف قطر الوطني: تجربة تفاعلية مع زمن ثقافي ثري في علاقته بالمكان والتاريخ والفن

المذكرة السياحية

بفضاء يمتد على 11 قاعة عرض ومجموعة من المرافق الموازية التعليمية والترفيهية، ضمن مساحة إجمالية تفوق 143 ألف متر مربع، يكون متحف قطر الوطني قد استكمل إطلالته النهائية، وشرع، ابتداء من أمس الأربعاء، أبوابه للزوار لخوض تجربة تفاعلية مع زمن ثقافي ثري في علاقته بالمكان والتاريخ والفن.

فبعد نحو عقد من زمن استغرقته أعمال التجديد لشكله ومضمونه، يقف المتحف أخيرا بهويته المعمارية الجديدة الفريدة من نوعها والمستلهمة من “وردة الصحراء”، مشرئبا نحو الأفق الماثل أمامه المتماس في أقصى بعده بمياه الخليج الهادئة في لونها اللازوردي الأخاذ.

وبموقعه عند الطرف الجنوبي المقابل لكورنيش الدوحة، يكون متحف قطر الوطني أول معلمة ثقافية، في بعديها المتحفي والمعماري، تطالع الزائر القادم لتوه من مطار حمد الدولي عبر الطريق السيار المفضي الى قلب الدوحة، الفياضة بحركة سير لا تهدأ، ليكون واسطة عقد ما لديها من متاحف.

وعبر هذا الموقع المتميز، يؤسس المتحف لعلاقة أريد لها من خلال ثلاثة مكونات بنيوية؛ الصحراء والبحر وحداثة التمدن الحضري، أن تنسج حوارا متناغما بين الثقافة والطبيعة، وتكشف عن خط مسار الفن في بنائه لعلاقة ثرية بين الإنسان ومحيطه. وتُحفِّز عبرها ومن خلالها، المولعين بوقفات التأمل في حضرة الزمن والفن، على استكشاف إواليات هذه العلاقة الداخلية والالتذاذ بفك شفرتها، والاقتراب من دلالاتها.

فمنذ البدء يصر المتحف، الذي افتتح رسميا أمس الأربعاء برعاية أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وحضور شخصيات محلية ودولية من عوالم السياسة والدبلوماسية والثقافة والاقتصاد والفن، على أن تكون تجربة زائره عميقة ونوعية في مقاربة مضمونه، وذات بعد تفاعلي في أساليب العرض، ثرية في امتداداتها الثقافية عبر المكان وعلاقته بالتاريخ والطبيعة والفن.

فالواقفون وراء هذه المعلمة، التي لا يخفي القطريون فخرهم العميق باستكمال إنجازها، لم يكونوا راغبين في تشييد مبنى لعرض مقتنيات مؤطرة في زمن ثابت وجامد، بل كان العزم أن يتم إرساء مسار لرحلة حقيقية في الزمن الثقافي والحضاري للبلد، رحلة لا تعرض المقتنيات وإنما تحمل الزائر الى قلب حركيتها وتجعل منه طرفا فاعلا في استعادة نبضها واستدامته.

تقول مديرة متحف قطر الوطني، الشيخة آمنة آل ثاني “منذ اللحظة الأولى ونحن عازمون على ألا يكون المتحف الوطني مجرد مكان لعرض المقتنيات، بل أردنا أن يشعر فيه الزائرون بأنهم في رحلة حقيقية”.

وهي بذلك إنما تؤكد أن الهدف التعليمي والفني الجمالي يحضر بالأساس عبر استدعاء الزائر الى دخول تجربة استكشاف معرفية وفنية تفضي به انتهاء الى “تغيير مفهومه عن المتحف”، في حدود ما كان ينظر إليه على أنه علبة زمنية منغلقة على مؤثثاتها. ليصبح المتحف، في المقابل، زمنا مفتوحا، ينغمس الزائر في مضامينه ودلالاته بذهنه وحواسه ومشاعره، متفاعلا مع كل ذلك، متمثلا للمعاني، ناسجا للحكايا، مستمتعا وباحثا عن الاستزادة.

المتحف هنا يترفع عن أن يكون فضاء مَواتا لماض أفل وتجمد، بل يُصِرُّ على إعادة صياغة هذا الماضي على اعتبار أنه يمثل النبض الخلفي لهذا الآني الفوار الذي يستمد منه بالأساس هويته ونبضه الدافق باتجاه بناء معالم الحاضر. (يتبع)

مبنى المتحف في أساسه حكاية معمارية تبرعمت على يد المعماري الفرنسي الشهير جان نوفيل، والتي حوَّل من خلالها المتحف القديم الذي كان في أساسه القصر التاريخي ومقر سكن وحكم الشيخ عبد الله بن جاسم آل ثاني (1880-1957) نجل مؤسس دولة قطر الحديثة الى ما أصبح “نبتا عملاقا يخرج من الأرض يشبه وردة الصحراء ذات الشكل البلوري التي تنمو في صحاري قطر الرملية”.

التصميم العمراني للمبنى استوحي من “وردة الصحراء” وهي مكون صخري شائع في صحارى منطقة الخليج، “تتكون فور تبلور المعادن في التربة المفتتة أسفل أسطح الملح الضحلة”.

وبحسب نوفيل، استلزم الأمر إفراغ التصميم وفق رؤية ثلاثية الأبعاد، تشتمل على “سلسلة شديدة التعقيد من الأقراص الدائرية المتشابكة والمترابطة عضويا في ما بينها” في شكل حلقات تحيط بالمبنى”، بل إن لون الطلاء نفسه الذي تم اختياره لتكسية الأسطح الخرسانية للمتحف اعتُمِد بلون يشبه الرمال في “تناغم مع الصحراء القطرية”، ما يجعله يبدو وكأنه بالفعل “نبت خارج من الأرض ومتوحد معها”.

وكان نوفيل أوضح، في تصريح صحفي عقب فوز المتحف، في يناير الماضي بجائزة أفضل إطلالة من الأسطح خلال النسخة الخامسة عشرة من جوائز مجلة (وول بيبر) السنوية للتصميم، أنه بالنظر الى الصعوبة التي اكتنفت تركيب التصميم، فقد كان لزاما اعداد المشروع بأكمله على برنامج حاسوب، وهو ما مكن من “إخراج المتحف، بأقراصه المنحنية العظيمة وتقاطعاته وزواياه المدعمة، وحدة متكاملة تجمع ما بين التصميم المعماري والمساحي والجمالي”.

ويبقى ما هو جميل أيضا، بحسب مديرة المتحف، أنه جاء في هويته الثقافية شكلا ومضمونا ثمرة حوار مجتمعي موسع امتد عبر أكثر من 12 جلسة حوارية شارك فيها مئات القطريين لاستطلاع ما يرغبون أن يكون عليه متحف وطني يستعرض هويتهم، ومفروض فيه أن يحمل، بطريقة أو أخرى، طبيعة ذلك الحوار الممتد عبر الأجيال، وليس وقوفا عند الزمن الماضي أو الحاضر، وإنما يمتلك خواص تجعله واسطة عقد في مسار ممتد نحو أزمنة قادمة.

وهو في عمقه أيضا خلاصة لأكثر من 500 مقابلة شخصية مصورة، اشتملت على “مرويات تاريخية بكم هائل” من معلومات تحكي نمط الحياة القديم في قطر، ما جعلها تمثل بثرائها وفرادتها، برأي القيمين على المتحف، “جزءا رئيسيا من المحتوى”، الذي ما كان ليتعزز ويأخذ سبيله الوزان دون الحضور العلمي والموجِّه على نحو من الأنحاء، عبر ما تم استخلاصه من النقاشات المعمقة مع خبراء محليين من تخصصات مختلفة شملت التراث والآثار والأحياء والتاريخ والسياسة.

وتتوزع مضامين المتحف بين ثلاثة أقسام؛ تتمثل في “البدايات”، و”الحياة في قطر”، و”بناء الأمة”، وتعرض عبر 11 قاعة، بدءا من الحقبة الجيولوجية قبل استيطان الجزيرة العربية، مرورا بجملة من المحطات التاريخية وصولا الى الوقت الحالي، بأسلوب عرض تفاعلي، يجمع بين الموسيقى والمرويات التاريخية والصور الأرشيفية والأعمال الفنية وسماع الحكايات واستحضار الروائح المرتبطة بالذكريات وكذا المخطوطات والمجوهرات والأزياء، ومقتنيات نادرة وبعضها لا يقدر بثمن؛ كسجادة “بارودا” المزركشة بمليون ونصف المليون من اللؤلؤ فضلا عن قطع الماس والزمرد والتي يعود زمن حياكتها الى بداية القرن التاسع عشر.

وعبر وسائط وتقنيات حديثة، تتواصل المعروضات بالزائر من خلال عدد من الأشرطة الفنية التي أعدها مجموعة من المتخصصين في فن التوثيق السينمائي من قطر والخارج.

وتغتني زوايا المبنى ومداخله وفي الردهات بمجموعة من الأعمال الفنية التي شارك في إبداعها فنانون محليون وعالميون، من بين أبرزها، وأول ما يطالع الزائر في حديقة المدخل إنجاز فني من أعمال فنان فرنسي (ميشيل أثونيل) عبارة عن 114 نافورة على شكل عيدان سوداء تنتصب على امتداد مجرى مائي بطول 900 متر، تعكس بظلالها على الماء جمال الخط العربي، في ما يشكل لازمة لحوار الثقافة بالطبيعة والتي تمثل في ترددها الانسيابي عمق الإيقاع الدلالي لمختلف مكونات المتحف.