صونية الرابحي: بصمة مغربية متميزة تطبع مجال البحث العلمي في إندونيسيا

المذكرة السياحية

جاكرتا 8 مارس 2019 (ومع) عشقها القوي لعالم المعرفة والتدريس، جعل الأستاذة الجامعية المغربية صونية الرابحي، التي أنجزت العديد من مشاريع البحث العلمي في إندونيسيا، لا تنظر إلى التعليم العالي كمجرد مهنة، بل تعتبره شغفا حقيقيا يعطيها شعورا قويا بالمتعة والارتياح.

انخرطت هذه المهاجرة المغربية، التي مرت 18 سنة على قدومها إلى إندونيسيا ، في جهود النهوض باللغة العربية منذ وصولها إلى هذا البلد، الذي يتوفر على أكبر جالية مسلمة في العالم، من دون أن تكون متمكنة من لغة “الضاد”.

تمكنت الأستاذة الرابحي، التي تفخر بأصولها الأمازيغية، من الحصول على دبلومها الأول في مجال التجارة الدولية (التسويق – التصدير) من المدرسة العليا الدولية للتدبير بالرباط في عام 1998، قبل أن تغير التخصص بشكل كامل بعد سفرها إلى الأراضي الاندونيسية.

“التحدي لم يكن بالنسبة لي النجاح فحسب، وإنما التفوق من حيث النتائج. حصلت على شهادة الماستر في علوم التربية من الجامعة الاندونيسية (مولانا مالك إبراهيم) في مالانغ في عام 2006، بمعدل 4/ 3.96، وهي أعلى درجة في الفوج. نفس الشيء بالنسبة لمرحلة الدكتوراه، توجت أيضا أول طالبة بمعدل 4/ 3.97 ، وكان هذا إنجاز مهم بالنسبة لي”، تقول الباحثة المغربية بارتياح.

لا تخفي الأستاذة الرابحي اعتزازها وهي ترى الجهود التي بذلتها بتفان ومثابرة تكلل بنجاح مبهر، كما لا تنسى بعض الصعوبات التي واجهتها في عالم الاغتراب والتي دفعتها في محطات الى تغيير مسار حياتها.

” لقد عشت مرحلة صعبة للغاية في بداية قدومي إلى إندونيسيا في 2002. كل شيء كان جديدا بالنسبة لي. إلى جانب البعد الجغرافي، وجدت نفسي أمام لغة وثقافة مختلفة، والطبخ القائم علي الأرز، ومناخ استوائي بحرارة مفرطة ورطوبة”، تتذكر بصوت متهدج في بوح لوكالة المغرب العربي للأنباء، هذا الجانب الصعب من حياتها.

وكان التغيير صادما بالنسبة للأم الشابة التي غادرت،في ذلك الوقت، الوطن الأم بصحبة زوجها الإندونيسي مع طفل لا يتجاوز عمره سنة. وسرعان ما تبددت أحلامها المليئة بالحماس، لتفسح المجال لحزن عميق، مشوب بشكوك وبالكثير من الندم.

“بقيت أسال نفسي: أين أنا ؟ ما الذي أفعله هنا بعيدا عن كل شيء يجعلني سعيدة ؟ للأسف، لم أعثر على إجابات مقنعة. وجود ودعم زوجي والدعوات الغالية من والداي التي يتردد دائما صداها في أذني، كانت سندي الحقيقي”، تقول السيدة الرابحي، وهي تخرج نفسا عميقا تبدو وكأنها تزيل حملا ثقيلا على كاهلها.

بحثا عن آفاق جديدة، قررت السيدة الرابحي، برفقة عائلتها، في 2008 مغادرة إندونيسيا إلى بريطانيا. غير أن هذه المغامرة الجديدة من الاغتراب كان محكوما عليها بالفشل بعد أقل من سنة، مما اضطر الأسره بأكملها للعودة إلى مربع الانطلاق والاستقرار في إندونيسيا بنظرة جديدة.

وبما أنها لم تكن من النوع الانهزامي، فقد عمدت السيدة الرابحي، بعد أن استرجعت شجاعتها، إلى استعادة زمام المبادرة، وبدأت مسارا دراسيا جامعيا في إندونيسيا، قبل أن تنال في 2015 لقب أستاذة جامعية في معهد العلوم الاسلامية والعربية بجاكرتا التابع لجامعة محمد بن سعود الاسلامية بالرياض.

ومع مر السنين، نجحت الأستاذة الجامعية الرابحي في ترسيخ موقعها داخل الوسط العلمي الإندونيسي من خلال مساهماتها المتعددة التي مكنت من تعزيز التبادل الثقافي والأكاديمي بين اندونيسيا والمغرب، وأيضا بين القارتين الإفريقية والآسيوية.

وهكذا، قامت الباحثة المغربية في 2008 بإنجاز بحث علمي تحت عنوان “تعليم اللغة العربية من خلال نصوص عربية تستوعب البيئة الإندونيسية”، وبحث آخر في 2013 بعنوان “تطوير تدريس علم الأصوات في ضوء المراسلة اللغوية بين اللغتين العربية والاندونيسية”.

كما حرصت على تعزيز اللغة العربية لدى الإندونيسيين من خلال تأليف العديد من السلسلات التعليمية. ويتعلق الأمر، على الخصوص، بسلسلة بعنوان “الأصوات العربية للدارسين الإندونيسيين” التي صدرت في 2013، و”اللغة العربية المعاصرة للإندونيسيين”، التي أصدرتها بمشاركة مع زوجها الإندونيسي،توركيس لوبيس، خريج جامعة محمد الخامس بالرباط (ماستر في 1992 ودكتوراه في 2001 في علوم اللغة العربية).

وبالموازة مع مهنتها الجامعية، تنظم الأكاديمية المغربية دورات تكوينية في اللغة العربية لفائدة أساتذة جامعيين إندونيسيين، وتنشط بشكل دوري ندوات وورشات علمية، وتعليم اللغة الإندونيسية (البهاسا) للأجانب، بالإضافه إلى القيام بأنشطة ذات طابع خيري لتعزيز روح التضامن والتماسك الاجتماعي داخل مجتمع تسكنه أغلبية مسلمة.

وتأمل الأستاذة المغربية في أن تقدم صورة جيدة عن المرأة المغربية وأن تترك بصمتها في عالم العلم والمعرفة، وهي التي تمثل لها فاطمة الفهرية، مؤسسة أقدم جامعة في العالم “القرويين “، مصدر إلهامها الأول.