المذكرة السياحية
اختارت ابنة مدينة الدار البيضاء، ليلى بيضا الذهبي، التحدي الذي اعتبرته سبيلا للنجاح في حياتها العملية خارج أرض الوطن، ورسمت لنفسها مسارا متميزا، يمكنها من تحقيق طموحاتها في الحياة، وأكثر من ذلك الإسهام في إشعاع بلدها، من خلال بوابة المطبخ المغربي، في بلاد الغربة الأردن.
تجارب الحياة بالنسبة لليلى، مليئة بالحكايات، فقبل أن تشد الرحال إلى عمان في العام 2004، وهي لم تكمل بعد مسارها الدراسي الذي بدأته في المغرب، لا لشيء سوى تمردها على الدراسة، وما زاد الطين بلة بالنسبة لها انعزالها وانطواؤها على نفسها جراء فقدان والدها، تقول ليلى المنحدرة من مدينة اليوسفية، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء.
وبعد مرور الوقت، قررت ليلى من جديد متابعة دراستها، فاختارت هذه المرة الالتحاق بالمعهد الفرنسي بالدار البيضاء، ولكن للأسف، لم تتمكن من الصمود حتى النهاية وتحقيق المبتغى، نتيجة غياباتها المتكررة عن الفصل الدراسي بسبب المرض الذي كان قد حل بها في ذلك الحين.
يأتي العام 2004، وهي السنة التي قررت فيه ليلى مغادرة المغرب في اتجاه المملكة الأردنية الهاشمية على أمل العمل والدراسة معا، وكانت البداية التحاقها بالعمل كمضيفة في فندق، وفي الوقت ذاته تتابع دراستها في إحدى الكليات الأردنية، حيث حصلت في العام 2008 على دبلوم في تخصص صناعة الأفلام والمونتاج، وهو المجال الذي قالت إنه تلقت من خلاله عدة عروض عمل من قنوات تلفزيونية. “لكن وظيفة الكرسي وجهاز الكمبيوتر لم تستهويني كثيرا ولم أجد نفسي فيها كوني أحب الحركة كثيرا”، تقول ليلى.
لهذا السبب، وأيضا أمام عدم رضى الزوج اشتغال زوجته في مجال الفن خاصة أنه فنان وله معرفة تامة بخبايا أمور المهنة ، قررت ليلى خوض تجربة أخرى وهذه المرة في مجال الطبخ وبالتحديد المطبخ المغربي، خاصة أن المغربيات يتوفرن على موهبة فائقة في هذا الفن، الذي اعتبرته ليلى انطلاقة مسار ناجح في الحياة، أولا كخدمة تقدم للجالية المغربية المتواجدة في المملكة الأردنية، وثانيا خدمة بلدها من خلال الإسهام في التعريف بفنون الطبخ المغربي العريق.
سارت ليلى على هذا الدرب، في تقديم خدمة في هذا المجال لمجموعة من أفراد الجالية المقيمة بالأردن، خاصة أن “أي مغربي أو مغربية عندما يغادر أرض الوطن في اتجاه بلد الغربة لو بإمكانه أن يحمل مطبخ بيته معه لفعل”، تقول ليلى، التي تعتبر الطبخ المغربي رمزا لاماديا يميز المجتمع المغربي، بل مفخرة يتباهى بها المغاربة أمام شعوب العالم في بلاد المهجر.
وأمام الشهرة التي اكتسبتها في هذا المجال في صفوف أفراد الجالية وبعض الأقارب والجيران، من خلال ما تبدعه أناملها من أشهى الأطباق، لقيت ليلى دعما كبيرا من إحدى جاراتها التي شجعتها لتوسيع مجال عملها واستهداف زبناء جدد، لاسيما أن المطبخ المغربي بكل تلاوينه، قد يتحول إلى مشاريع تجارية مربحة ومدرة لدخل مريح في بلاد الغربة، تقول جارة ليلى.
الفكرة التقطتها ليلى عن جد، وشمرت على ساعدها ومن هنا اختارت لمشروعها الذي تشتغل عليه في البيت الذي تقطن فيه، إسما تجاريا حيث أصبح اليوم معروفا لدى الأوساط الأردنية من زبنائها ولدى الجالية باسم “ليلى سويتس” أي ترجمة لـ “حلويات ليلى” باللغة الإنجليزية، لتكون بذلك الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح منذ 2009 حيث بدأت تصنع حلويات مغربية في البيت ثم تقوم ببيعها في معارض منتجات يدوية، أو ما يعرف هنا بـ “البزارات”.
لم تكن البداية سهلة بالنسبة لليلى، فلقد واجهت بعض الصعوبات لكنها لم تستسلم للإحباط. خاصة أنها لقيت معاملة جيدة من قبل المجتمع الأردني، الذي قالت ليلى إنه شعب ذواق من الدرجة الأولى، بالإضافة إلى تشجيعه لها وإعجابه لما تقدمه من أطباق مغربية بمختلف تلاوينها، الشيء الذي زادها حماسا وشجاعة أكثر للسير قدما في هذا الاتجاه.
ولما فطنت إلى أن الموهبة وحدها لا تكفي لتحقيق الذات وفرض الوجود، قررت ليلى، بالموازاة مع الاستمرار في العمل بصناعة كل ما يزخر به المطبخ المغربي العريق وتقديمه للمستهلك الأردني، الانخراط في عدة دورات تدريبية والالتحاق بالمعهد الأردني لفنون الطهي، والتي مكنتها مع مرور الوقت من صقل موهبتها إلى جانب حصولها على عدد من الشواهد المهنية من بينها شهادة مزاولة المهنة التي مكنتها من الاشتغال بشكل قانوني في بلاد الغربة، وهو ما ساعدها أيضا في الانفتاح على فنون الطبخ الأجنبي بمختلف أنواعه.
وفي هذا الإطار، خطت ليلى خطوات كبيرة حيث اعتادت المشاركة في عدد من المعارض الخاصة بالطبخ، كان آخرها المعرض الذي نظم في مارس 2017، احتفاء بإبداعات وإنجازات المرأة العربية، من خلال عرض منتجات الصناعة اليدوية لعدد من الدول العربية من بينها المغرب.
ومثلت ليلى وزميلتها خديجة بن الجربوح، المغرب في هذا المعرض، الذي نظم بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، برواق عرضت فيه بعض منتجات الصناعة التقليدية المغربية من حلويات أصيلة وأواني فخارية ولباس تقليدي (قفطان، جلباب…)، إلى جانب منتجات مجالية وأخرى خاصة بالمناسبات والأعراس.
وقالت ليلى بيضا، إن حضورها مثل هذه التظاهرات، من خلال عرض مختلف الحلويات المغربية وأواني فخارية مطبخية ومنتجات مجالية (مثل زيت أركان والتوابل، وصابون أركان…)، ومنتجات خاصة بالأعراس والمناسبات، يجسد رغبتها في اطلاع الزوار بتقاليد وعادات المجتمع المغربي وبفن الطبخ المغربي الذي يشكل إحدى العلامات المميزة في تاريخ وحضارة المغرب.
وأضافت أن المنتوج المغربي في مختلف المعارض التي شاركت فيها لقي إقبالا كبيرا من قبل الزوار من مختلف الجنسيات خاصة الأسر والعائلات الميسورة التي توافدت على الرواق المغربي، معربة عن اعتزازها وفخرها بالمشاركة في مثل هذه التظاهرات خاصة لإبراز الصورة الحقيقية والمشرفة للمرأة المغربية في الخارج والدور الذي تضطلع به للتعريف بالمغرب وثقافته وتقاليده وعاداته.
ليلى لم تقف عند هذا الحد، بل شاركت مرات متعددة ولازالت تشارك في عدد من البرامج التلفزيونية والتي شكلت نافذة تستغلها للتعريف بفن الطبخ والتراث الثقافي المغربي بصفة عامة، من بينها برنامج “منتصف النهار” في قناة الشرقية العراقية، و”يوم جديد” و”يسعد صباحك” في التلفزيون الأردني الرسمي، و”دنيا يا دنيا” في قناة رؤيا الأردنية وغيرها كثير.
مساهمة ليلى في التعريف بالطبخ المغربي طالت أيضا تقديم عدد من الدورات التدريبية في إعداد الأطباق المغربية بمختلف أنواعها لفائدة طلاب بالمعهد الأردني لفنون الطهي.
ليلى شاركت كذلك، مؤخرا، في مسابقة للطهي، في معرض الأردن للغذاء والدواء، والذي حصلت خلالها على الميدالية الفضية في فئة “الحلويات”، لتكون المتسابقة العربية الوحيدة خارج الأردن المشاركة في هذا المعرض بمبادرة كانت عبارة عن مجسم لخريطة المغرب مزخرفة بحلوى “كعب الغزال” المبتكرة والمزخرفة، وهي المشاركة التي لاقت إعجابا كبيرا من قبل لجنة التحكيم وباقي المشاركين.
فالطبخ المغربي الذي يتميز بالمذاق الرفيع والطعم بفضل ما تجود به أيادي المرأة المغربية، أضحى علامة بارزة لهذا الطبخ العريق الضاربة جذوره في أعماق التاريخ حيث تستهوي أطباقه الشهية مهاجرين آخرين من شعوب مختلف البلدان. وهذه عملة فريدة تعمل مغربيات العالم على وجه الخصوص على الترويج لها كعنوان لهوية شعب يعتز بثقافته وعاداته ويجعل منها أداة للتقارب مع الشعوب والأمم عبر العالم.

























































