المذكرة السياحية
في حضرة السفر البهي بين اللغات ضمن قاطرة الترجمة بصيغها المختلفة، وما تفرضه من التزام بدقة المعاني واستحضار للخلفية الثقافية، وسلاسة في تراسلية الخطاب، تحضر مهنية وحرفية المغربية حسناء بركي؛ سيدة الشغف الجميل بالوساطة في نقل الخطاب بين اللغتين العربية والانجليزية، وفق صناعة تجمع بين ما هو معياري وفني، وبمهارة وحدس لغوي وثقافي شحذتها الدراسة وخبرة السنين.
يتسرب الى سمع المتابع لمجريات المؤتمر أو الندوة أو المحاضرة عبر سماعة الترجمة الفورية صوت السيدة حسناء بركي هادئا رائقا متزنا. يرسخ القناعة بأن خلف الخطاب المسترسل ثقة في النفس ومهارة في الانتقال بسلاسة من لغة الى أخرى، ومن نص شفوي، قد يكون مرتجلا، الى نص جاهز ليكون مكتوبا؛ لا تنقصه العبارة ولا التركيز ولا يشوبه التكرار أو التردد أو التلكؤ.
قدرة مميزة، باعتراف من هم على مقربة منها مهنيا؛ لا تكتفي بتدقيق المعنى وربطه بسياقاته المتعددة، بل تمتد الى الصياغة والأسلوب لتجعل منه، في أعشار من ثواني، خطابا جاهزا قمينا بأن يصنف في دائرة النصوص المكتوبة التي تكون قطعت مسارا من الإنجاز والتشذيب، وخضعت لتصميم مفكر فيه قبلا.
آلية منطقية ومهارة تقودها الدراسة، وحدس أدبي يوازن بين دقة المعنى وجمالية العبارة. ففي وجيز من زمن التلفظ تكون سلسلة عمليات قد سلكت طريقها؛ من التقاط العبارة الى تفكيك رموزها ومعانيها وربطها بمختلف سياق الملفوظات والظرفية الزمنية والثقافية، لتنتقل رأسا الى قولبة المعاني في لغة الاستقبال المترجم إليها.
ومن جميل هذه العملية، بالنسبة للمترجمة المهنية المغربية، أنها لا تنتهي لديها عند إيجاد المعادل اللفظي الحامل للمعنى المراد، وإنما تتوج بالعبارة الأنيقة السلسة، وتوفر للمتلقي لحظات استماع واستمتاع في نفس الوقت، بنبرات صوتية، بإجماع كثير من مستمعيها، لها جاذبية خاصة ترقى لما لدى أكثر الإعلاميات تميزا في مجال السمعي البصري.
وتلك المهارة في سلاسة واختيار دقيق العبارة تعتبر من الكفايات المطلوبة وجوبا في الترجمات التحريرية التي يكون للمترجم مجال زمني كاف لتدبر النص المراد ترجمته والوصول الى لب معانيه وإعادة صياغتها بأمانة في اللغة المترجم إليها، وتكون طوع يديه المعاجم العامة والمتخصصة، وأيضا إمكانية الرجوع الى خبراء في حقل أو موضوع النص أو الى كتابات مماثلة أو سابقة لمؤلفه.
والأمر خلاف ذلك، وقد يعتبر إضافة نوعية في الترجمات التعاقبية والهمسية وكذا الفورية، خاصة حين يتعلق الأمر بمواضيع دقيقة علمية أو اقتصادية أو سياسية. وبدرجة أكثر مسؤولية وخطورة، حين يرتبط الأمر بترجمة وقائع مفاوضات سياسية بين أطراف متنازعة عند الشفير المؤدي إما الى الوفاق والتصالح أو القطيعة والتناحر.
كلمة أو صياغة واحدة عليلة، في غير ما ضبط لسياقها وحمولتها من المعاني المرادة، تقول السيدة حسناء بركي في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، “قد تكلف المترجم حياته المهنية بالكامل”، لأنها تكون مهنيا “طلقة أخطأت هدفها”، وأحيانا قد تصيب مقتلا في غير ما كان المقصد، وتربك التواصل بين أطراف اجتمعوا لهذه الغاية، وتشط بهم على غير هدى.
المهمة ثقيلة ومحاذيرها جمة الخطورة في تداعياتها عند أدنى انزلاق، تتابع السيدة بركي، التي راكمت 14 سنة من تجربة في عدد لا تكاد تحصره من المؤتمرات الدولية والندوات والمحاضرات والجلسات والاجتماعات الرسمية داخل الدوحة وخارجها؛ في كل من إيطاليا وتركيا وهولندا والسويد وسويسرا وفرنسا وقبرص والإمارات العربية المتحدة والبحرين، حيث تستدعى في غالبيتها سنويا للقيام بأعمال الترجمة.
تؤكد أن المهمة ليست، بما قد يؤخذ على محمل السطحية، مجرد انتقال من لغة الى أخرى، بل هو انتقال في اللغة ومن خلالها عبر حزمة متكاملة بسياقات ثقافية وتاريخية ومعرفية متداخلة، تحضر فيها أيضا، حين يتعلق الأمر بالترجمة الفورية والهمسية والتعاقبية، نبرة صوت المتكلم التي تعضد المعنى، أو تفتح في طياته معاني ثانوية محتملة، يكون على المترجم استحضارها، وفق سياقها الثقافي وظرفها التاريخي للوصول الى التفكيك الكامل والسليم للمعنى قبل قولبته في اللغة المترجم إليها.
وعند الترجمة التعاقبية أو الهمسية، تضيف السيدة حسناء خريجة كلية عين الشق بالدار البيضاء (جامعة الحسن الثاني) وجامعة ليدز ببريطانيا، سيكون المترجم، وهو خارج “مقصورة الترجمة” وفي قلب المشهد المنظور لتبادل الحوار امام جمهور من المتابعين، بإزاء امتحان آخر يتطلب منه حضورا وازنا؛ يقاس بقدرته على حسن استخدام لغة الجسد، وحفاظه على تركيزه وهدوئه ومهارته في متابعة وتبين وتدوين النقط الأساسية، والتركيز على الأفكار المحورية، مستبعدا كل حشو أو تكرار، وملتزما بعدم إغفال أي نقطة.
وفي مقابل ذلك، تؤكد السيدة بركي، تستلزم الترجمة الفورية، المتفردة بتحدي السرعة والتركيز المتناهي، كفايات أساسية تلتقي فيها مع كافة أنواع الترجمات الأخرى؛ من اتقان للغتي المصدر والاستقبال، مع بديهة يَقِظَة وتامَّةِ الحضور، واستعداد للتصرف وحسن التخلص في ظرف زمني قياسي، والأمانة في نقل المعاني، والإحاطة بالمنطوق المراد ترجمته بلغة واضحة، والركون الى ثقافة اللغة الأصل وسياق الحدث أو موضوع اللقاء كمرجعية أساسية.
أما وصفة النجاح لديها وقد خبرت الترجمة بأصنافها؛ بدءا من التحريرية مرورا بالتعاقبية والهمسية، قبل تفرغها معظم الوقت للفورية، فتستدعي، برأيها، المطالعة والمواكبة المستمرة لما يجري على الساحة الدولية من متغيرات سياسية ومعرفية، وبحث متواصل عن كل مستجد من ثمرات الاجتهادات المنجزة على مستوى بناء المصطلحات، وأيضا وقبل كل شيء التحضير والإعداد المسبق قبل كل جلسة اشتغال بالقراءة في الموضوع المقرر.
كل نص في الترجمة بالنسبة للسيدة حسناء، بداية أولى وتحدي حقيقي، ومغامرة، تحتاج الى تركيز النظر واستحضار كل الآليات، وتدقيق الاشتغال بشكل متواصل على اللغة ومن خلالها. ولا تشفع سنين الممارسة لتتويج الذات، لأن الخبرة المستخلصة تؤكد، برأيها، ان درجات السلم مصطفة بتتابع وعلى علو شاهق لا يرى منتهاه، والخَطوُ ما يزال عند الدرج الأول لا يبرَحُه إلا ليقف عند حافته، بأمل في ارتقاء ما يليه. أما بلوغ القناعة الى أن الخطو شَرُفَ على محاذاة الدرج الأخير، فهو بالتأكيد نهاية المغامرة المعرفية وسقوط في الانكفاء على الذات واجترار ما لديها.
تلك قاعدتها الذهبية؛ القناعة بالوصول نهاية قبل الأوان لهذه المغامرة المعرفية الممتعة، التي تمثلها الترجمة كباب للاغتناء بالمعارف وبشتى الأحاسيس والمدركات الإنسانية عبر المثاقفة والتواصل واكتشاف الآخر والذات.
ومن هذه الزاوية، تكون الترجمة، بالنسبة للسيدة حسناء بركي، مغامرة معرفية وحرفة وفن ودربة بتقنيات علمية، تحمل وهجها في تحدياتها ومحاذيرها. وتقذف بثمارها العذبة المذاق، بالاستمرار في بذل الجهد المعرفي والتسلح بالطاقة الإيجابية، ومواصلة البحث عن كل ما يعزز قدرات الذات لفك شفرات اللغات والثقافات.
كما تغدو الترجمة، وفق هذا المنطق، نافذة واسعة الإطلالة على الذات والآخر. تنزع الأغطية الخبيئة، وتبدي التنوع البهي لفسيفساء الثقافة الإنسانية الكونية متكاملا، لا غرابة إطلاقا لأي ملمح فيه؛ الاخر، مهما اختلف لسانه وثقافته، مكون أساسي لهذا المشهد، وليس بهذه الفسيفساء ما يمكن أن يخضع للمفاضلة أو لتقييمات من قبيل ” الغريب” ” المتدني” أو المتعالي” أو “المثالي”.
تقول السيدة بركي إن الترجمة والانسياب الجميل عبر ثقافات الآخرين، وهذا السفر/ العودة ثقافيا ومعرفيا في عملية لامتناهية، تضع الذات رأسا في قلب الكوني الشاسع. وتجعل المترجم بامتياز مواطنا كونيا، ولديه القناعة الراسخة بأن الآخرين يحملون الجواز المفتوح ذاته، بل تصبح لديه مبادئ من قبيل؛ تقبل الآخر والاحتفاء به وتفهمه والانصات اليه واكتشاف ثقافته ومعارفه، وبذل الجهد لملاقاته، قواعد أخلاقية ومعرفية وسلوكية إنجازية بامتياز وليست شعارات للتجمل.
فهذا الانتماء الكوني يعبر حياتها في مجرى عميق وثري بدءا من مولدها الذي كان في هولندا، مرورا بنشأتها وجزء مهم من دراستها بالمغرب، حيث حضن جدتها التي أصرت على أن يكون تعليم حفيدتها في المغرب دون غيره، قبل أن يحملها مسار الدراسات العليا بعد المغرب الى بريطانيا، ويحط بها الارتباط والزواج من مواطن أردني من أصول فلسطينية لأم سورية، بالدوحة، حيث مولد زوجها ومقامه، ومولد أبنائها بعد ذلك، ومستقر عملها، الذي ما يفتأ يطَّوَّف بها كل عام في بلدان وثقافات شتى.
لكن المغرب، الوطن الحبيب، يظل، بالرغم من زحمة الأماكن والثقافات، مبسما ساحرا، وحضنا وارفا بالظلال والدفء، وحبا راسخا بين الأضلع تغزوه سمفونية حنين دائم التدفق، بشوق لا ينطفئ مهما تعددت مواسم الإياب اليه، وحضور في الوجدان لا يبرحه ولا بديل عنه، رديف لتلك العلاقة الجميلة المتجذرة بين الطفل وأمه، المتماسكة روابطُها بقوة، مهما بعدت المسافات، وازدحمت الأجندات.

























































