الدفع عبر الهاتف: أو المحفظة المتنقلة التي ترافق الصينيين في معاملاتهم اليومية

المذكرة السياحية

يبدو مشهد البنوك والصرافات آلالية المنتشرة في مختلف الشوارع في العاصمة الصينية بكين وهي تكاد تكون فارغة من الزبائن طيلة أيام العمل، أمرا غير مألوف بالنسبة للزوار الأجانب لهذا البلد الآسيوي العملاق الذي يضم حوالي 1,4 مليار من السكان.

يجد الأجانب في البدء صعوبة في فهم تباين المشهد حيث كثافة إقبال الصينيين على عدد من المرافق والمنشئات سواء العامة أو الخاصة، مع ما يرافقها من الانتظار في صفوف طويلة في كثير من الأحيان، وبالمقابل تظل البنوك والصرافات الآلية المنتشرة بكثرة شبه فارغة، لكن سرعان ما تتبدد ضبابية الصورة عند معرفة مدى انتشار تقنية الأداء عبر الهاتف النقال بين الصينيين في معاملاتهم اليومية.

فمن التنقل عبر المترو أو باقي وسائل النقل العمومي، مرورا باقتناء الاحتياجات اليومية من محلات القرب الصغرى أو متاجر التسوق الكبرى، إلى منصات التجارة الالكترونية الشهيرة ومواقع الخدمات المتعددة، لا يستخدم الصينيون النقد المالي أو بطاقة الدفع البنكية وإنما يكتفون بالأداء انطلاقا من هواتفهم النقالة الذكية لاقتناء حاجياتهم وسداد الخدمات التي يحصلون عليها، حيث تكاد تختفي النقود المعدنية والورقية في التعاملات اليومية.

ويعتبر تطبيق “وي شات”، وهو أضخم شبكة تواصل في الصين، ليس فقط وسيلة للمحادثات وتبادل الصور والفيديوهات وإنما أيضا وسيلة يتم عبرها الدفع لإقتناء مختلف الاحتياجات والخدمات من خلال رموز الاستجابة السريعة، وأيضا تحويل المال إلى شخص آخر في أي منطقة بالصين يمتلك بدوره حسابا على التطبيق، الأمر الذي أضحى وسيلة أساسية في حياة المواطنين الصينيين لتسوية جميع المعاملات التجارية اليومية.

الانتشار الواسع النطاق للتعامل عبر هذا التطبيق يدفع أيضا الأجانب المقيمين في الصين إلى فتح حسابات على التطبيق وربطها بحسابهم البنكي ليسهل عليهم بعد ذلك اللحاق بإيقاع الحياة الصينية في تسوية معاملاتهم اليومية وإقتناء حاجياتهم دون الحاجة الى التوجه إلى البنوك أو الصرافات الآلية لسحب النقد والاحتفاظ بها في محفظة الجيب التقليدية بعدما أصبح الهاتف يقوم بهذا الدور ك”محفظة رقمية” متنقلة محمية برموز سرية.

وفي هذا الصدد، يقول أحمد قنديل، مواطن مصري مقيم في بكين منذ ثلاث سنوات، ويعمل في أحد المطاعم المخصصة للأجانب، إنه وجد صعوبة في البداية في استيعاب ثقافة الأداء عبر الهاتف والخروج إلى الفضاء العام دون أن يحمل “قرشا” بتعبيره المصري في إشارة الى المال، وخاصة مع احتمال ضياع الهاتف أو عطبه.

وأضاف أحمد، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أنه ظل دائما يحمل معه مبلغا من المال في محفظة جيبه كاحتياط لكن مع الوقت تبددت شكوكه مع سهولة التعامل وفعاليته في تسوية المعاملات الأساسية من أداء واجبات كراء السكن ،وخدمات الماء والكهرباء ،واقتناء الحاجيات اليومية من محلات التسوق.

من جهته، أبرز يانغ زونغ، وهو شاب صيني يشرف على أحد المحلات التجارية في العاصمة، أن الأداء عبر الهاتف من خلال تطبيق “وي شات” يسهل لهم التعامل مع الزبناء ويتسم بالسرعة في إنجاز المعاملات التجارية عكس التعامل بالنقد.

وأضاف، في تصريح مماثل، أنه نادرا ما يتعامل مع مواطنين صينيين بالأداء النقدي وأن الأمر يقتصر على بعض الأجانب غير المقيمين في الصين الذين يتعاملون بالنقد في اقتناء حاجياتهم من المحل، مشيرا إلى أن المعاملات التجارية عبر الهاتف تمكنه أيضا من تتبع رقم معاملات المحل اليومية بسهولة.

وتم تطوير تطبيق “وي شات” من قبل شركة “تينسنت” الصينية في عام 2011 وبحلول عام 2016 أصبح أحد أكبر برامج المراسلة انتشارا من حيث المستخدمين النشطين، مع أكثر من مليار مستخدم نشط شهريا، يستخدم معظمهم التطبيق في تسوية المعاملات التجارية عبر الهاتف.

وإلى جانب انتشار الأداء عبر الهاتف، تشهد التجارة عبر المنصات الإلكترونية ازدهارا منقطع النظير في الصين، حيث تتنافس المتاجر الإلكترونية على جذب الزبناء بتقديم تخفيضات على منتجاتها رفقة خدمة التوصيل إلى المنزل إلى جانب محفزات أخرى.

وبحسب أحدث تقرير لمجموعة “علي بابا”، عملاق التجارة الإلكترونية، فقد تجاوز عدد المستخدمين الصينيين لخدمة الدفع الالكتروني “آلي باي”، منصة الدفع الرائدة على الإنترنت التابعة للمجموعة، 700 مليون صيني.

ويرى الخبراء أن الصين شرعت في التحول إلى الإقتصاد غير النقدي بوتيرة سريعة تتجاوز الولايات المتحدة، وذلك بفضل الإنتشار الواسع للتجارة الإلكترونية والأداء عبر الهاتف عبر تطبيقات تتطور باستمرار، حيث يخلق ذلك اقتصادا جديدا يقوم على الرموز القابلة للمسح.

ويبقى الأكثر طرافة بالنسبة للزوار الأجانب هو لجوء “متسولين” صينيين، على قلتهم في هذا البلد، إلى وضع ورقة عليها “رمز الاستجابة السريعة” التي يمكن للمارة عبر مسح الرمز بهاتفهم النقال تحويل “الصدقة” إلى حساب المتسول.