«عين أسردون» سحر الطبيعة وعراقة التاريخ

المذكرة السياحية:

لا منتجع بديل لساكنة بني ملال والنواحي عن عين أسردون. المتنفس الوحيد الذي يقصده السكان، ويحاولون من خلاله كسر هموم حياتهم. تقع شلالات عين أسردون في المنطقة السهلية التي تتمدد فيها مدينة بني ملال، حيث تنساب المياه نزولا على شكل شلالات، وتشكل منظرا بديعا، خصوصا أن الخضرة تحيط بالمكان، ومع تدفق مياه الشلالات يصبح الطقس منعشا في الصيف، ومعتدلا في الشتاء.
شلال عين أسردون تلامسه الأيدي، وتنتعش الأجساد ببرودة مائه الصافي الزلال، المتدفق من بين ثلاث صخور بلورية في أسفل أحد جبال الأطلس المتوسط، المطلة على مدينة بني ملال. تنساب مياه العين دون انقطاع، هنا يتساءل المرء عن مصدر الماء، ولماذا هو بارد حتى في عز فصل الصيف، الذي ترتفع خلاله الحرارة بشكل كبير؟.
حين تصل إلى أحضان منتجع عين أسردون القائم على ربوة صغيرة، تقع العين على منظر في الأسفل، يبدو كالعروس المنتشية بنياشين زفافها وتحيط بها حدائق ساحرة زينها تنوع الزهور والورود والأشجار والنباتات الطبيعية، في شكل لا يملك الناظر سوى أن يفغر فاهه دهشة وإعجابا.
تنفرد عين أسردون بأسرار لا يستطيع المرء سبر أغوارها، عندما يستفسر عن عدم نضوب ينابيع العين منذ وجدت، عرفت وتعرف سنوات جفاف متتالية، إنه سحر الألغاز التي يستمتع بحلها عشاق الطبيعة وخضرتها. حول الشلال دائما هناك العشرات من الزوار الذين يحبون تخليد هذه الذكرى بكثير من الصور. إن زيارة هذا المكان لا بد أن تكون حدثا حقيقيا في حياة عشاق الطبيعة، لذلك تتكفل الصور بتأريخ هذه اللحظات.
في قمة العين، توجد بناية تاريخية، يسميها الملاليون «قصر عين أسردون»، يقف القصر حاليا شامخا ومستحضرا ذكريات من عبق التاريخ، إذ إن هذا المكان يعد المرحلة الموالية للمشاهدة والاستمتاع بعد زيارة عين أسردون. عشرات السياح يقفون مشدودي البصر، وهم يتأملون منظر هذا الفضاء المثير.

 فضاء عين أسردون ينبغي أن يصنف ضمن الثرات الإنساني

ويرى المهتمون بتراث بالمنطقة أن عين أسردون جملة مركبة من كلمة عربية «عين» وأخرى أمازيغية «أسردون»، التي تعني البغل بالعربية، حيث كانت محل صراع بين قبائل عربية وقبائل أمازيغية إلى فترات تاريخية قريبة، مبرزين أن هذا المنبع يعتبر أساس الشرب وسقي أراضي أولاد أضريد وامغيلة وأولاد سعيد وأولاد عياد.
وأوضحوا أن مياه العين لا تأتي من جيب مائي محفوظ في أعماق الأطلس، وإنما تتصل بقناة عبر الأطلس بوادي العبيد، الذي تنجرف إليه التربة من ضفتيه والسفوح المجاورة، مما يتسبب في تعكر المياه، خاصة في فصل الشتاء.

اسم «عين أسردون» له قصة طريفة
ويتفق الكثير من سكان بني ملال القدامى على أن اسم العين له قصة طريفة جدا، فبحكم موقع بني ملال على سفح الأطلس المتوسط مفادها أن رجلا كان يغسل الصوف مع زوجته على ضفة نهر وادي العبيد، عندما اكتشفا أن جزء مهما من الصوف ضاع منهما بسبب قوة التيار المائي، مما دفع الزوج إلى التفكير في الموضوع ثانية عندما زار قبيلة بني ملال، وهو مندهش للأخبار المتناقلة في القبيلة وغير مصدق أن صوفا خرج من العين.
ويؤكدون أن الراعي استطاع إغلاق العين بعد اكتشاف مصدر مجرى الماء بهدف الحصول على المال من القبيلة، التي تضررت جراء توقف الماء، حيث تمكن من الحصول على بغل (أسردون) محمل بالعملة الحسنية مقابل إعادة المياه إلى مجاريها، ومن يومها سميت بعين أسردون.
تعتبر عين أسردون من أهم العيون التي تنبع من سفح جبال الأطلس المتوسط، وسجل صبيبها بداية سنة 2015 انخفاظا، حيث بلغت نسبة الصبيب 685 لتر في الثانية، حسب وكالة الحوض المائي لأم الربيع، أي بمعدل تراجع ناقص 48 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2014 التي سجلت فيها 1325 لتر في الثانية، أي بمعدل ناقص 19 في المائة.
لعين أسردون عدة استعمالات، حيث تزود ثلثي من حاجيات المدينة من الماء والمناطق المجاورة لها، وسقي الأراضي الموجودة بالسافلة، لكن التطور العمراني الذي تعرفه المناطق المجاورة للعين يشكل تهديدا حقيقيا، ما يستدعي التحكم في زحف البناء العشوائي والمحافظة على جودة مياه العين.
عرفت مدينة بني ملال بقصر عين أسردون، الذي بنته قبائل بني ملال في فترة تاريخية معينة على قمة من الجبال المحيطة بالعين للحراسة وتأمين المجرى المائي. إن بناء هذا القصر الذي يعتبر رمز للمدينة من خلال الرواية الشفوية، يرجع إلى صراع قام ما بين سكان قبائل بني ملال العربية بالسهل، وبعض مكونات قبيلة أيت شخمان الأمازيغية حول من يتحكم في هذا المنبع.
وقد خضع قصر عين أسردون، الذي يجسد تاريخ المدينة، لعدة عمليات الترميم إبان الاستعمار وفي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وآخرها سنة 2008 بمساعدة المجلس البلدي لبني ملال، حيث تم وضع أبواب من أجل حماية وتهيئة الساحة المحيط به.
ودعا بعض المهتمين بقطاع السياحة بالمنطقة إلى التفكير في استثمار الجوانب المحيطة بالعين والاقتصار على سياحة عابرة لا تتجاوز ساعة أو ساعتين، لأن القصر يوجد في موقع طبيعي هش لا يحتمل أكثر من 200 زائر، وأن العين لا تحتمل بدورها 25 ألف زائر، مؤكدين أن المنطقة لا تتحمل أيضا إقامة مشاريع كالمقاهي التي يمكن أن تعرضه للخطر، فضلا عن الدور العشوائية التي تهدد الفرشة المائية.
وأكد مهتمون بالمجال السياحي، أن عين أسردون في حاجة إلى مقرات للإيواء ومسابح، خاصة وأن المنطقة تشهد خلال فصل الصيف حرارة مفرطة تتجاوز درجتها 40 درجة، ومراكز تجارية من أجل استقبال أكبر عدد من السائحين، وبناء ممرات للراجين لهواة رياضة المشي تربط ما بين عين تامكنوت وعين أسردون، داعين جميع المتدخلين إلى تضافر الجهود من أجل جلب مستثمرين لبناء مرافق سياحية والقضاء على المقاهي العشوائية.