المذكرة السياحية
في مقاهي الرباط، حل التنقل عبر العوالم الافتراضية للمحمول تدريجيا محل عادة عتيقة تمثلت في البحث، والقلم في اليد، عن الكلمة المناسبة داخل شبكة للكلمات المتقاطعة.
في الأكشاك كما في البيوت، باتت ألعاب الكلمات هذه، التي شكلت لسنوات طويلة رفيقا وفيا للمغاربة، تتراجع شيئا فشيئا إلى خانة الذكريات. وأمام الصعود المتسارع للرقمنة، تجد الكلمات المتقاطعة والكلمات الموجهة صعوبة متزايدة في جلب اهتمام جمهور أصبح أكثر استعجالا وارتباطا بالوسائط الرقمية.
وبحسب مهنيين في قطاع الصحافة والتوزيع، فقد تراجع الإقبال على هذا النوع من المحتويات الورقية خلال السنوات الأخيرة، لا سيما في صفوف الأجيال الشابة التي أصبحت أكثر انجذابا للتطبيقات المحمولة والمنصات الرقمية.
خلال جولة بعدد من أروقة الدورة الـ31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب، التي نظمت بالرباط ما بين فاتح و10 ماي الجاري، بدا واضحا تراجع حضور المجلات والكتب المخصصة للكلمات المتقاطعة وألعاب الحروف، سواء لدى دور النشر أو المكتبات الكبرى.
ويتفق مختلف الفاعلين والناشرين الذين استقت وكالة المغرب العربي للأنباء آراءهم، على تحول عادات القراء والمستهلكين الذين أصبحوا منجذبين أكثر للصيغ الإلكترونية السريعة والتفاعلية والفورية.
وزكى هذه الملاحظة الباحث في علم الاجتماع عبد الرحيم بورقية الذي يفضل على الرغم من ذلك تدقيق الحكم بالاندثار الفعلي لهذه الهواية. فالكلمات المتقاطعة لم تختف، لكنها غيرت موقعها “داخل منظومة جديدة للترفيه”.
وقال “يمكن الحديث عن وقت حر أصبح مجزأ”، مؤكدا أن الكلمات المتقاطعة تتطلب التركيز والمواظبة، في وقت تميل فيه الممارسات المعاصرة إلى السرعة والفورية والتحفيز المتواصل.
وأشار الباحث أيضا إلى تعدد الشاشات والهواتف الذكية ومنصات البث وشبكات التواصل الاجتماعي، التي تشجع على أنماط ترفيه أكثر سرعة وتشتتا.
ورغم طابعها الترفيهي، لا تزال هذه الألعاب تحتفظ ببعد ثقافي وفكري قوي، إذ يعتبر الباحث أنها “تشكل تمرينا جيدا للذاكرة واللغة داخل المجتمع”.
هذا البعد الإدراكي أكدته أخصائية العلاج الحسي الحركي في طب الأعصاب لدى الأطفال، صوفيا شميشة، التي اعتبرت أن الكلمات المتقاطعة تمثل تمرينا مفيدا للدماغ، باعتبارها تحفز الذاكرة الدلالية والانتباه المستمر وبعض الوظائف التنفيذية، مثل البحث ووضع الاستراتيجيات والمرونة الذهنية.
وميزت الأخصائية بين الدعامة الورقية والصيغة الرقمية، معتبرة أن “الفوائد ليست متكافئة تماما”، لأن الورق يعزز الانخراط الحسي من خلال اللمس والإدراك المكاني، مما يسمح بانتباه أكثر استقرارا وذاكرة بصرية-مجالية أفضل.
وعلى العكس من ذلك، فإن الوسائط الرقمية، رغم سهولة الولوج إليها وجاذبيتها، غالبا ما ترتبط بانتباه أكثر تشتتا وضعف في الارتباط الجسدي والمكاني.
وأضافت أن الدعامة الورقية تظل مفضلة في العلاج النفسي الحركي، خاصة لكونها تساهم بشكل أكبر في تنمية التنسيق بين العين واليد، والهيكلة المكانية، والحضور الجسدي.
ومن جانبه، اعتبر جراح الأعصاب عادل ملحاوي أن الكلمات المتقاطعة تندرج ضمن الأنشطة التي تساهم بشكل فعلي في الحفاظ على القدرات الإدراكية.
وأوضح أن “كل نشاط ذهني يتطلب التركيز والذاكرة والمجهود المعرفي، يساهم في تحفيز هذه القدرات وصيانتها”.
واعتبر ملحاوي أن الكلمات المتقاطعة تحرك في الآن ذاته “البحث في الذاكرة والانتباه المستمر والاستدلال اللغوي”، وهو ما ينعكس إيجابا على وظائف الذاكرة والانتباه.
وذكر بأن الدماغ يشتغل مثل العضلة، داعيا إلى الحفاظ على نشاط ذهني منتظم، مقرون بتفاعلات اجتماعية وممارسة بدنية، من أجل صون القدرات الإدراكية على المدى الطويل.
وبين الفضائل الثقافية والاجتماعية والصحية، تبدو الكلمات المتقاطعة أكثر من مجرد لعبة للتسلية. وفي زمن الفورية والشاشات الحاضرة في كل مكان، قد لا يكون التحدي الحقيقي فقط هو إعادة هذه الألعاب إلى الحياة الثقافية اليومية، بل أيضا استرجاع تلك الجرعة الخفية من الحماس التي كانت تمنحها دقائق قليلة… في البحث عن كلمة.


























































