المذكرة السياحية
شكل التنوع اللغوي في الممارسة الشعرية بالمغرب محور ندوة عقدت، اليوم الخميس بالرباط، في إطار فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب في دورته الحادية والثلاثين.
وتوخى هذا اللقاء مساءلة التنوع اللغوي في المجال الشعري المغربي، من بوابة اختلاف الرؤى الفنية والجمالية باختلاف الألسن والتعبيرات، وما تختزنه كل لغة من ذاكرة خاصة في علاقتها بالحداثة وبالمسارات التي شقها نهر الشعر المغربي عبر الأجيال منتقلا من حساسية شعرية إلى أخرى، في ضوء رهانات التحديث التي شهدها منذ فجر الاستقلال.
وفي مداخلته، التي تمحورت حول سؤال اللغة وشعرية التعدد، أكد أستاذ النقد الأدبي والفني بكلية الآداب بتطوان، محمد العناز، أن اللغة في الشعر المغربي ليست مجرد أداة للتعبير، بل حاملة للتاريخ ومخزون رمزي يؤسس لنظام خاص في الإحساس بالعالم، بما يختزنه من ثقل الوجود وأسئلته ونواقصه.
وأوضح أن الموقع التاريخي والحضاري والجغرافي للمغرب لم يعرف هيمنة لغة واحدة تكرس انغلاق الذات، بل ظل فضاء منفتحا على تعدد لغوي وثقافي أفرز بحثا دائما عن متخيل شعري رحب، بعيدا عن المرجعيات الأحادية.
وأضاف أن اللغة داخل هذا المتخيل تشكل جسدا حيا في امتداداته المتواصلة، وفضاء لعبور ألسنة متعددة ومتفاعلة، تمتد من العربية الفصحى والدارجة المغربية إلى الأمازيغية بتنوعاتها والحسانية، فضلا عن الفرنسية والإسبانية والإنجليزية وغيرها من اللغات المرتبطة بالتبادلات الرمزية والثقافية، وبمسارات الهجرة والتعليم والانفتاح على العالم.
ومن جهته، أكد أستاذ اللغة الأمازيغية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، مبارك أبعازي، أن الشعر المغربي ينبغي أن يتجلى في صورة فسيفساء شعرية تتداخل فيها العربية الفصحى مع عامياتها واللغة الأمازيغية، مع إدماج الشعر المكتوب باللغات الأجنبية في إطار من التوازن والإنصاف.
وسجل أن تلقي الأدب وإنتاجه في المغرب بات يستلزم مقاربة تستوعب هذه الفسيفساء الأدبية، بما يفضي إلى تشكل مفهوم جديد للأدب المغربي، يقوم على الاعتراف بتعدد اللغات التي يكتب بها هذا الأدب.
وفي معرض حديثه عن الشعر الأمازيغي، قال أبعازي إنه يستمد حيويته من إرث الأمس البعيد، ومن الأغاني الراقية، ومن المنجز الشعري في لغات العالم، معتبرا أن ذلك هو سر نبضه واستمراره، لافتا إلى أنه شعر إنساني يعيش بروحين: روح يحيا بها بين الناس في احتفالات أحواش وأحيدوس وغيرهما، وروح أخرى يحيا بها داخل الكتب، حيث يتأمل الشاعر سبك العبارة، ورشاقة اللفظ، وجاذبية المعنى.
من جانبه، تناول الشاعر والمفتش التربوي، احميدة بلبالي، الزجل المغربي لا باعتباره مجرد تعبير بالدارجة، بل بوصفه تجربة جمالية متكاملة؛ إذ مكنه انتقاله من الشفهي إلى المكتوب من ابتكار لغة خاصة به، تتحرر من القوالب الجاهزة، وتسهم في بناء حداثة شعرية متعددة، تنطلق من اليومي لتتجاوزه.
وأردف قائلا إننا أمام لغة شعرية جديدة تفكر في العالم من داخل الهامش، وتعيد صياغة العلاقة بين اللغة والواقع، بحيث يصبح الزجل، في نهاية المطاف، ليس مجرد دارجة مكتوبة، بل طريقة أخرى لرؤية العالم، مسجلا أنه هكذا، يغدو الزجل معنيا بدوره بالانزياح اللغوي، والصورة الشعرية، والإيقاع الداخلي، والمفارقة والسخرية، فضلا عن تجسيد الذات والهامش.
وخلص إلى أن ما أسهم في إنضاج التجربة الزجلية الحداثية في المغرب هو التحول الذي عرفته شخصية الزجال نفسه؛ إذ لم يعد ذلك الصانع الحرفي العصامي، بل أصبح مثقفا منفتحا على الشعرية العالمية، بما يحمله من معرفة ورؤية جمالية، الأمر الذي مكنه من منح صوت للذات القلقة، الباحثة والمتسائلة، وللهشاشة الإنسانية، بعدما كان الزجل في السابق معبرا أساسا عن الجماعة.
يشار إلى أن هذه الندوة تندرج ضمن سلسلة ندوات فكرية تنظم في إطار فعاليات الدورة الحادية والثلاثين من المعرض الدولي للنشر والكتاب، التي تعرف مشاركة 891 عارضا، من بينهم 321 عارضا مباشرا و570 عارضا غير مباشر، يمثلون المغرب و60 بلدا عربيا وإفريقيا وأوروبيا وآسيويا وأمريكيا.

























































