المذكرة السياحية
كثيرة هي المواقع والآثار التاريخية التي تتحدى نوائب الدهر وعوائده لتذكر الدارسين والزائرين بأمجاد منشئيها وزهو حضارتهم كما هو حال مآثر واكا بوكيانا التي تنتصب بالعاصمة البيروفية لتظل شاهدة على ثقافة شعب ليما، الذي عمر خلال الفترة الممتدة ما بين سنتي 200 و 700 بعد الميلاد.
ولم يكن واكا بوكيانا، المتكون من هرم وساحات وأفنية، مدينة بالشكل المتعارف عليه آنذاك بل أريد له أن يكون مقرا لنخبة تمسك بزمام السلطة السياسية والدينية والاقتصادية، ومركزا لممارسة ساكنيه سلطتهم على منطقة نفوذهم بجهة ليما الحالية، التي استوطن بها هذا الشعب على مستوى أودية تشيون وريماك ولورين.
وترجح الدراسات أن كلمة “بوكيانا” مشتقة من “بوكياي” التي تعني بلغة كيتشوا “اللعب” ليكون أقرب معنى إلى الاسم الكامل لهذا الموقع الأركيولوجي “مكان اللعب”، إلا أن الأبحاث تشير إلى أن هذه الألعاب، التي كانت تمارس بهذا الفضاء، كانت تعبر عن احتفالات وطقوس دينية يؤديها السكان الأصليون في هذا الضريح القديم.
وينقسم الموقع، الممتد على مساحة تقدر بنحو ستة هكتارات، إلى هرم كبير وساحات يبدو أنها كانت حكرا على أشخاص كانوا يفقهون في دين القوم، وأمكنة للعبادة والاحتفالات الدينية، وفضاء سفلي به أيضا ساحات وكراسي يعتقد أنه كان مخصصا للأنشطة اليومية ومكانا لاستقبال الساكنة والاستماع إليها أو لتقديم قرابينها.
وكل الآثار التي تركها شعب ليما تدل على الأهمية التي كان يكتسيها البحر في معتقداتهم، وذلك يتجلى من خلال رسم الأمواج والحيوانات البحرية، لاسيما سمك القرش، على أوانيهم الخزفية وأقمشتهم، بل إن أحد أفنية الهرم، التي كان يركن إليه سادة القوم، تبين أن الحاضرين لتلك الطقوس الدينية كانوا يولون وجوههم شطر البحر.
ومكنت الأبحاث من العثور على العديد من بقايا ثقافة شعب ليما من قبيل أدوات مصنوعة من الفخار ومباني وقنوات للري في حقول زراعية منتشرة في جميع أنحاء الفضاء الجغرافي الذي كان زمنئذ تحت سيطرة هذا الشعب.
ويبدو للدارس كما للزائر أن بناء الموقع الأركيولوجي، الذي يضفي لمسة خاصة على منطقة ميرافلوريس السياحية بالعاصمة ليما، سخرت فيه يد عاملة كبيرة كانت تشتغل في ظل نظام هرمي لصناعة قطع الطوب التي استعملت الملايين منها في إنجاز واكا بوكيانا، فضلا عن بنائين متخصصين أشرفوا على أشغال تشييد هذا المركز.
وتثير تقنية بناء هذا الموقع الانتباه إذ تركت مساحات صغيرة بين قطع الطوب المستطيلة، التي شيدت بها مختلف مرافق الفضاء، ما يجعلها تبدو ككتب وضعت بإحكام على الرفوف وهي تقنية صارت تعرف ب”تقنية بائع الكتب”.
وكان أغلب العمال من فئة الفلاحين والصيادين الذين كانوا يعيشون في قرى متناثرة من منطقة نفوذ السلطة التي انبثقت من هذا المركز، الذي شيد خلال الفترة الأخيرة من عمر شعب ليما حيث عمروه لنحو ثلاثة قرون.
وبأفول نجم شعب ليما أواخر القرن السادس ميلادي، خضعت “واكا بوكيانا” لحضارة واري، التي عرفت أوجها بين القرنين السابع والثالث عشر وأحكمت قبضتها الإمبراطورية على مناطق شاسعة من البيرو.
واستعمل الموقع الأركيولوجي إبان حكم شعب “واري” كمقبرة لا يرقد فيها إلا أصحاب المنزلة الاجتماعية من علية القوم قبل أن تندثر هذه الحضارة وتقع “واكا بوكيانا” في يد شعب يدعى “إشسما” حتى سنة 1470، تاريخ بداية تشكل إمبراطورية الإنكا العظيمة.
ولأن الفلاحة كانت إحدى أهم الأنشطة التي كان يتعاطى لها شعب ليما، فإن الساهرين اليوم على حماية واكا بوكيانا خصصوا حيزا من مساحة الموقع لتربية بعض الحيوانات وغرس بعض النباتات التي تربط حاضر ليما بماضيها الغابر.
وهكذا، فإذا كان لنخبة شعب ليما شرف بناء هذا الفضاء وفي نفسها حاجة ممارسة سلطتها انطلاقا منه فإن الحضارات والشعوب التي تعاقبت على هذا الجزء من البيرو لم تكتف بدور المنبهر من مهارة منشئيه بل زادت عليه وأضافت له ليكون واكا بوكيانا وثيقة أركيولوجية يتواصل استنطاقها إلى اليوم لتبوح بكل أسرارها.


























































